كتاب الراية

عن شيء ما .. سر الشعب الجبار

من الناحية النفسية والاجتماعية، للحرب تأثيرٌ كارثيٌ على صحة الأمم ورفاهيتها، إذ تشير تقارير إلى أن التداعيات النفسية للحرب في غزة امتدت من المواطنين العاديين إلى الطواقم الطبية والعاملين في المجال الصحي، ورغم أن الأمر يبدو طبيعيًا في ظل المشاهد المروعة التي يرَوْنها خلال أدائهم لعملهم مثل مشاهد الدماء والأشلاء، إلا أن مشاهد الصبر والصمود غطّت على مشاهد الضعف والانهزام، ليصبح صمودُ هذا الشعب الجبار أيقونةً ومثلًا أعلى.

على الجبهة الأخرى ترتفعُ نسبةُ الصدمات والأزمات النفسية في المُجتمع الإسرائيلي جرَّاء الحرب على قطاع غزة، وكذلك تعاطي الإسرائيليين للحشيش الطبّي والطلب المتزايد على الأدوية النفسية والمُهدِّئات.

فقد أعلنت مؤسسة «كلاليت للخدمات الصحية» في دولة الاحتلال أن عدد الوصفات الطبية النفسية ارتفع بنسبة 11% بالإضافة إلى مغادرة عشرات الأطباء العاملين في مجال الصحة النفسية من إسرائيل إلى بريطانيا!

لكن ما سر صمود الشعب الفلسطيني رغم أن معاناته أعظم وأشد أمام الهشاشة النفسية والضعف المعنوي للشعب الإسرائيلي رغمَ أنَّ معاناته أقل بالمقارنة مع شعب مُحتل وأعزَل؟

في الحقيقة تمثل الرؤية الروحانية والمعتقدات الدينية مصدر قوة، حتى إن شعب الجبارين هذا رغم كل ما تعرضَ له من حمم أمطرته بها آلة الحرب الإسرائيلية ظل رافضًا الركوعَ والتسليمَ، وكأنه طائر الفينيق الذي يخرُج حيًا من تحت الرماد.

صبرُهم الأسطوري كشفت عن أصالتهم ومعدنهم الحقيقي، كما كشف عن نضال آخر لا يقل أهمية هو نضال الذاكرة ضد النسيان. عندما لم يكن من العائلات الفلسطينية غير أن تأخذ معها مفاتيح منازلها وصكوك ملكية مزارعها التي طُردت منها ظلمًا وقهرًا، وتمسَّكت بالروايات المُوثقة عن الحقوق المُغتصبة وحق العودة وتوارثتها عبر الأجيال دون أن تخبو في الأذهان أو في الضمائر ذاكرة المكان، «ذاكرة فلسطين».

نعم، الفلسطيني قويٌّ لأنه يمتلك إيمانًا عميقًا وذاكرة متوارثة عبر الأجيال تحمل صورةَ شعب في طريقه إلى العودة، وفي المُقابل فإن إسرائيل لديها صورة واحدة فقط لنفسها وهي صورة شعب قد يكون في طريقه إلى الزوال.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X