كتاب الراية

اقتصاديات.. احتمالات اقتصادية ممكنة

طرحنا، الخميس قبل الماضي، علامة استفهام كبيرة ضمنية حول مدى إمكانية سدّ الفجوة الفاصلة بين الدول المُتقدّمة والدول النامية، من حيث مُعدّلات الدخل القومي ونسب النمو الاقتصادي ومُعدّلات التنمية ومُستوى التقدّم العلمي والبحث والتطوير، وذلك على ضوء التغيّرات العالميّة الراهنة جيوسياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا وحتى مناخيًا، ثم المُقوّمات العديدة والمعايير المرجعية العادلة لحسابات التنمية في دول العالم النامي، خاصة الدول الإسلاميّة منها، حيث يتوقع لها أن تتبوأ الريادة السياسيّة، وتُصبح قائدةً للتغيير والتحوّلات الاقتصاديّة العالميّة المُحتملة في المُستقبل.
بالأمس القريب – عزيزي القارئ – أذكّرك فقط بأن العالم بأسره – اقتصاديًا – كان يعيش رهينة صراع نظامين اقتصاديين، رأسمالي واشتراكي، وما بينهما بدرجات مُتفاوتة، حيث إن الأول ينهج اقتصاد السوق المفتوحة التي تُسيّرها الليبرالية والديمقراطية والحُرية الاقتصاديّة التي تُسهّل حركة انتقال ملكية عناصر الإنتاج والرساميل والأرباح عبر العالم بكل يُسرٍ. أما الآخر فهو يعتمد كليًا على أدوات التوجيه والتخطيط المركزي لكل عناصر الإنتاج وحركتها داخليًا وخارجيًا عبر الخطط الخمسية والعشرية واللوائح الإدارية المركزية كأدوات التدخّل الحكومي في النشاط الاقتصادي وتوجهاته. وكانت دول العالم الثالث تقتات لتمويل تنميتها من مُساعدات ومعونات هذين النظامين نظير تبعية سياسية مُغلفة، إضافة إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي والبنوك الدولية الأخرى، التي كانت تُثقل كاهل الدول النامية بعبء الديون. لكن اليوم الوضع اختلف إلى حد ما، وسيختلف أكثر في قادم السنوات، حيث لن تستطيعَ شعوب العالم النامي استمراء تبعيتها للمُعسكر الغربي – وهو الأكثر تبعية – ولا الشرقي، نتيجة وعيها وتقدّمها العلمي النسبي ونمائها الاقتصادي وتنميتها الشاملة النسبية مُقارنة بدول الغرب المُتقدّمة. كل ما تحتاجه أغلبية الدول النامية الآن الإرادة السياسية الصارمة والإدارة التنظيمية الفاعلة. حيث إن عليها حاليًا أن تواجهَ عزوف القوى العُظمى عن مُساعدتها اقتصاديًا والانصراف عنها سياسيًا، خاصة إذا كانت بعض تلك الدول لا تُشكّل أهمية قصوى أو أنها خارج الخريطة الاستراتيجية للدول الكُبرى. ولهذا فعلى الدول النامية مواجهة حقائق جديدة والبَدء في تنمية نوعيّة جديدة بظل النظام العالمي الجديد الذي يتبلور تدريجيًا ويدخل مرحلة المخاض حاليًا، تهيئة لبَدء التحوّلات الراديكالية المُنتظرة من المُعسكر الشرقي (روسيا والصين) وتحالفاتها مع دول نامية مُهمة ذات وزن سياسي واقتصادي كبير، وأيضًا ربما مع “كارتيل الأوبك” فيما لو انضم بكامل عدده وقوته الطاقوية لمنظومة (بريكس BRICS) اللاغربية التوجّه.
ولأن أسس التنمية قد تغيّرت بتغيّر طبيعة العَلاقات الخارجية لهذه الدول وبتغيّر نظام المُساعدات الاقتصادية الذي تقلص نسبيًا منذ تغيّر النظام الاشتراكي العالمي وتحوّل كل من روسيا والصين إلى نظام اقتصاد السوق واطراد ورواج تجارتهما الخارجية مع أغلبية الدول النامية.
لذلك كله، ينبغي على الدول النامية التي كانت تحظى بنصيبٍ ما من المُساعدات الاقتصادية الأمريكية، وقد تأثرت سلبا في نمائها وتنميتها بمقدار التقييد المُتنامي لتلك المُساعدات وسياسة التخفيض والحظر أحيانًا الذي تُمارسه بعض الدول الغربية الدائنة على الدول النامية، على الأخيرة، أن تواجه مصيرًا جديدًا، وأن تُعيدَ حساباتها الداخلية وقوالب بَرنامجها الاقتصادي وَفق المُتغيّرات الجديدة، كما سيكون عليها مواجهة مشاكلها الداخلية والخارجية بالاعتماد التام على إمكاناتها الوطنيّة ومُقوّماتها الذاتية قدر الإمكان ولا تنسلخ عن مُحيطها الإقليمي اقتصاديًا، لأن استمرارية الوضع الاقتصادي المُضطرب ودخوله مرحلة عدم اليقين (Uncertainty) حتى الآن، واستمرارية هذا المنوال، ربما سيؤدّي، إذا لم تتدارك أغلب الدول النامية حالتها الاقتصادية المُتدهورة ماليًا وإنتاجيًا وتسويقيًا وتنظيميًا، وتراجع موازين تجارتها الخارجية، إلى تفاقم الأوضاع “وزيادة غنى الأغنياء واطراد فقر الفقراء”.
إننا حينما نُقدّم هذه الصورة – عزيزي القارئ – لا نعرض معها درجة يأس أو سوداوية رؤية اقتصادية بقدر ما نعرض مشهدًا اقتصاديًا مبنيًا على تحليل مبدئي للواقع الاقتصادي الجديد المُحتمل (لدول العالم الثالث غنيها وفقيرها على السواء)، مهما كان في هذا الواقع ما يبعث على التشاؤم. لكن، هناك موارد وإمكانات اقتصادية وديموغرافية وأسواق ضخمة ومؤشرات إيجابية تملكها الدول النامية فيما لو وظفتها أمميًا باقتدار في إطار “الأمم المُتحدة” المصادر إجماعها بسبب آلية قراراتها، أو خارجها إن أمكن ذلك، عبر اتفاقات ثنائيّة أو مُتعدّدة الأطراف، وبها تستطيع منظومة العالم الثالث النامي والناشئ على السواء التحدّث بلغة موحدة لإيجاد نظام اقتصادي عالمي جديد يكون أكثر عدلًا وبديلًا للنظام الاقتصادي العالمي الحالي الجائر.
وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X