المنتدى

حديث عابر عن دولة الرفاهية (3)

بقلم/ د. محمد نشطاوي:

وصفَ عالمُ الاجتماع توماس مارشال حالة الرفاهيّة الحديثة بأنّها مزيجٌ مميز من الديمقراطية والرفاهية والرأسمالية.

ولعل أغلبَ البلدان لديها نوع ما من دولة الرفاهية، ويبقى المعيارُ الأكثر طبيعيَّةً للتمييز بين أنظمتها هو معيار سخاء دولة الرفاهية الاجتماعية، الذي يُقاس بالحصة التي يمثلها الإنفاق الاجتماعي في الناتج المحلي الإجمالي. ووفقًا لهذا المعيار، فإن بلدان الشمال الأوروبي وبعض البلدان الخليجية، هي بلا شك البلدان الأكثر إنفاقًا.

إلا أن الإنفاق الاجتماعي سواء كان إلزاميًا أو مدعومًا ليس كافيًا، لأن دولة الرفاهية لا تقتصر على نفقاتها وحدها، إذ من خلال سلسلة من القوانين واللوائح، يمكنها أيضًا المساهمة في حماية المواطنين، كما هو الحال مثلًا بالنسبة للالتزام المفروض على شركات البناء لضمان الوصول السلس للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وغير ذلك كثير.

وبالإضافة إلى كرم الدولة في الإنفاق، يميل خبراء الاقتصاد إلى تقديم معيار ثانٍ للتمييز، وهو على وجه التحديد مدى قدرة برامج الحماية الاجتماعية على إعادة توزيع الدخل بين الأفراد.

وتستند الحمايةُ الاجتماعيةُ إلى نوعين من الآليات: المزايا الاجتماعية (المدفوعة للأسر)، ومزايا الخدمة الاجتماعية (الوصول المجاني أو غير المُكلف إلى الخدمات).

ومِن المُمكن أن تستجيب الاستحقاقات الاجتماعية لثلاثة أنواع من منطق الدعم: منطق الإعانات الاجتماعي (الفوائد المدفوعة للمساهمين ومن يعولونهم)، أو منطق المساعدة (الاستحقاقات الخاضعة لاختبار الموارد المالية)، أو منطق الحماية الشاملة (دون شرط الوسائل أو المساهمات).

ويكمُن الهدف من التأمين الاجتماعي في الحماية من مخاطر فقدان الدخل (البطالة، المرض، الشيخوخة، حوادث العمل، إلخ). وفي فرنسا يتم تمويل المزايا الاجتماعية من خلال المُساهمات على أساس الرواتب. ولذلك فهي مُخصصة لأولئك الذين يساهمون ولكن أيضًا لذويهم، من خلال مفهوم المستفيد (الزوج الذي ليس له نشاط مهني أو الأطفال المعالون) بشكل رئيسي. وعلى سبيل المثال، يساهم العاملون في القطاع الخاص في التأمين ضد البطالة، ويمكنهم الاستفادة من إعانة البطالة في حالة الفصل من العمل. ويتم دفع هذه المزايا مقابل الاشتراكات، وتسمى «المساهمة».

أما منطق المساعدة، فيهدف إلى إقامة التضامن بين الأفراد لمحاربة أشكال الفقر، وتضمن هذه الميزة الحد الأدنى من الدخل الذي لا يُغطي بالضرورة مخاطر محددة. ويتم دفعها على أساس القدرة المالية، ولا يُشترط المساهمة المُسبقة للاستفادة منها. ومن بين هذه المزايا، نجد الحد الأدنى الاجتماعي المدفوع في فرنسا، بما في ذلك الدخل التضامني النشط وإعانة البالغين المَعُوقين. وتوصف هذه الفوائد بأنها «غير قائمة على الاشتراكات».

وبخصوص الحماية الشاملة، فإنها تهدف إلى تغطية فئات معينة من النفقات لصالح جميع الأفراد، ومن ثم تُمنح المزايا دون شروط المساهمة بالنسبة للجميع، وبالتالي تسمح لأي شخص بالغ يعمل أو مقيم في فرنسا على أساس مستقر ومنتظم بالاستفادة من تغطية تكاليفه الصحية.

وتهدف بعض نماذج دولة الرفاهية «الليبرالية» إلى تدخل الدولة فقط كملاذ أخير من خلال العمل على إجبار الأفراد على العودة السريعة إلى سوق العمل، في حين يقع الدور الرئيس على عاتق آليات السوق. وتبرز في هذا الصدد الدول النموذجية لهذا النموذج مثل كندا والولايات المُتحدة وأستراليا.

أما «النموذج المحافظ» القائم على النموذج البسماركي، فتعتمد جودة الحماية الاجتماعية على المهنة والدخل، وفق منطق التأمين؛ وهذا يعني نموذجًا للتأمين الاجتماعي الإلزامي المعمم المدعوم بالعمل وبأجر. وفي هذا النظام، يتم الحفاظ على دخل الموظفين جزئيًا في حالة وقوع حادث أو مرض أو بطالة أو عندما يأتي سن التقاعد. وهنا تتعايش أنظمة الضمان الاجتماعي المُختلفة، كما أن إعادة التوزيع تبقى ضعيفة نسبيًا.

وفي هذا الصدد يرى إسبنج أندرسن أن هذه الأنظمة تمت صياغتُها من قِبل الدولة «المُستعدة دائمًا لتحل محل السوق كمزود للرفاهية» ومن قِبل الكنيسة الحريصة على الدفاع عن القيم العائلية التقليدية. وبالتالي، فإن إنشاء الحقوق الاجتماعية من قِبل المحافظين جزئيًا يعتبر مؤشرًا على الرغبة في الحفاظ على التسلسلات الهرمية القديمة المهددة بالليبرالية والديمقراطية والرأسمالية (على الأقل بعض أشكالها). ويعتقد إسبنج أندرسن، أن ألمانيا أو النمسا في عهد بسمارك، من خلال صناديق التقاعد، أدت إلى ظهور طبقات خاصة، مثل موظفي الخدمة المدنية أو العمال الذين يتمتعون «بظروف أكثر ملاءمة» مع نية محتملة لمكافأة، أو ربما ضمان الولاء والخضوع. والدول الرمزية لهذا النموذج هي النمسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وفرنسا.

وتكمن خصوصية هذا النظام الديمقراطي الاجتماعي، على عكس النظام المحافظ، إلى تعزيز إمكانية الاستقلال الفردي، مع إدماجه بين الحماية الاجتماعية والعمل، من خلال اندماج خاص بين الليبرالية والاشتراكية، كما أن الحماية الاجتماعية والمزايا المختلفة في هذا النظام لا تعتمد على الدخل، ويستفيد منها الفقراء بقدر ما يستفيد منها الأغنياء.

ولضمان مستوى عالٍ من الحماية الاجتماعية وإمدادات كبيرة من الخدمات الاجتماعية، يجب أن تهدف الحماية الاجتماعية إلى تحقيق العمالة الكاملة التي تقلل التكاليف وتزيد إيرادات الدولة. وتبدو الدول الرئيسة التي تقترب من هذا النموذج على سبيل المثال مثل الدنمارك، فنلندا، هولندا، النرويج، والسويد. وفي كثير من الأحيان، تبنت هذه البلدان سياسات استثمارية قوية في البحث والتطوير وتسعى إلى تعزيز مكانتها في المُنافسة العالمية.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X