المنتدى

حديث عابر عن دولة الرفاهية.. الأزمة (4)

بقلم/ د. محمد نشطاوي:

ارتبط نموذجُ دولة الرفاهية الاجتماعية بمجموعة من المُتغيرات العالمية، التي انعكست على تطوّرها وفعالية تطبيقها، وكذلك بالتوجهات الفكرية التي سادت حينها في العلاقات الدولية.

وعلى مدار ما يقارب قرنًا من الزمان، كان بناء دولة الرفاهة الاجتماعية يشكل الأفق الطبيعي للتقدم الاجتماعي في البلدان الصناعية. إلا أن دولة الرفاهية هذه أصبحت في حالة سيئة اليوم، على اعتبار أنها أصبحت مُكلفة بشكل كبير. وإذا استمرت في النمو بالمعدل الحالي، فإن الإنفاق على الصحة مثلًا سوف يمتص كل موارد الأسر تقريبًا في العقود القليلة المُقبلة.

ولمواجهة الزيادة في الإنفاق الاجتماعي، نمت المساهمات الإجبارية بسرعة كبيرة، ما يهدد القدرة التنافسية للشركات وديناميكية الاقتصاد. ولكن قبل كل شيء، أصبحت دولة الرفاهية الاجتماعية آلة غامضة وبيروقراطية على نحو متزايد. ولم تعد مبادئ التضامن وإعادة التوزيع التي تحكمها تظهر بوضوح. وبالتالي، بدأت تظهر أزمة دولة الرفاهية، التي هي في الأصل أزمة ثقافية وأخلاقية أكثر منها اقتصادية.

إن الدولة التي لعبت دورًا نشطًا في الاقتصاد من خلال تمويل المشاريع الصناعية الكبيرة على وجه الخصوص، ومن خلال الحد من الظلم الاجتماعي، تضطر أحيانًا -في ظل تعاقب الأزمات الاقتصادية- إلى ممارسة صرامة في الميزانية. ومن ثم، فإن حكومات الدول الأوروبية الرئيسة تنفِّذ -بقدر أو بآخر من الإصرار- سياسات التقشف وخفض الإنفاق العام.

ولقد نوقش مفهوم «الأزمة» على نطاق واسع خلال الثمانينيات، ومعه فكرة إمكانية تفكيك دولة الرفاهية من عدمه. وقد جادل عديد المؤلفين بأن دولة الرفاهية لا رجعة فيها. ومع ذلك، فإن الأسباب الداعمة لهذا الاقتراح تختلف باختلاف النهج النظري المُعتمد، مع وجود عدة تفسيرات داخل نفس التيار.

فالدولة في أدبيات المؤلفين الماركسيين الجدد، تعتبر كآلية للتدخل في النشاط الاقتصادي بهدف تحقيق العدل الاجتماعي نتيجة للأوضاع السيئة التي نتجت عن تطبيق النظام الرأسمالي، والتي من أخطرها حدوث تفاوتات كبيرة بين الأفراد في الثروات والدخول، كما تمكن من التعويض عن إخفاقات السوق، وتخفيف الدورات الاقتصادية، وتعزيز آليات السوق في مجالات السياسة الخارجية، والدفاع، والبحث العلمي، والتدريب الفني، فضلًا عن توفير الموارد المالية.

أما بالنسبة للفكر الليبرالي، فإن نمو الإنفاق الحكومي على الرعاية الاجتماعية يهدف إلى ضمان السلم الاجتماعي على الرغم من التوترات المتزايدة باستمرار التي خلقتها الرأسمالية، أي أن دولة الرفاهية تلعب دورًا أساسيًا في بقاء النظام الرأسمالي.

وبعيدًا عن هذه التصنيفات المفيدة للغاية، فإن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلدان المُتقدمة منذ حوالي خمسين عامًا، تجعلنا نفكر في طبيعة دولة الرفاهية.

فقد أثبتت الأزمة المالية العالمية الراهنة عدم صلاحية الفكر الرأسمالي القائم على حرية السوق، وعدم تدخل الدولة، وأن نظام العولمة الحالي يؤدي إلى انتقال الأزمات بين الدول، وأن الاقتصاد الرأسمالي يُعاني من أزمة نظام، لذلك يجب إعادة النظر الشاملة في آليات النظام المالي العالمي الموروث منذ منتصف القرن الماضي.

ووَفقًا لبيير روزانفالون (أزمة دولة الرفاهية، 1981)، فإن تباطؤ النمو الاقتصادي أدى في السبعينيات إلى صعوبات مالية، كانت مسؤولة جزئيًا عن الزيادة المذهلة في المساهمات الإجبارية، والتي ستكشف في الواقع عن صعوبات مالية مُرتبطة بأزمة ثلاثية، أي أزمة مالية ناجمة عن زيادة الإنفاق المرتبط بالبطالة، وشيخوخة السكان، وزيادة تقديم الرعاية بفضل التقدم الطبي، وكذا تزايد الدين الاجتماعي، ما يؤدي إلى زيادة الضرائب دون منع العجز، وكذا أزمة كفاءة، لأن دولة الرعاية الاجتماعية أثبتت أنها غير قادرة على تجنب تطور الاستبعاد الاجتماعي، وأن الإعانات الاجتماعية لم تتمكن من الحد من الفوارق الاجتماعية، كما يتضح من ارتفاع معدل البطالة.

وأخيرًا أزمة الشرعية، التي تعني تزايد التنافس على القيم والمبادئ المُطبقة، على اعتبار أن دولة الرفاهية تهدف إلى المساواة بين المواطنين، ولكن مع نظام المساهمات وإعادة التوزيع، فإنهم يقارنون أوضاعهم ويرفضون أحيانًا «دفع تكاليف الآخرين».

في حين أن العامل الثاني يمس ندرة الموارد (بسبب ركود الأجور، والبطالة، وانسداد واضح لإنتاجية العمل).

وللخروج من هذا المأزق، يتعين علينا أن نحول تركيزنا نحو التغيرات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي اتسمت بها العقود الأخيرة. ومن خلال الاستجابات لهذه التغييرات نجد أيضًا الحلول للمُعضلة الواضحة المتمثلة في بقاء واستدامة دولة الرفاهية.

إن التفسير التقليدي لهذا الشعور بخيبة الأمل من دولة الرفاهية يبقى مرتبطًا بالتحوّلات التي تعرفها المجتمعات الليبرالية في ظل أزمات أصبحت مُزمنة ومُتكررة، إلا أن كل ذلك لن يجعل دولة الرفاهية موضع شك في حد ذاتها، لأنها ستوفر مقاومة جوهرية، بل وستكون الحصن الأخير ضد النيوليبرالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X