المنتدى

عدوك في هاتفك!

بقلم/ سامي كمال الدين:

كنت جالسًا مع صديق لي نستعيد أجواء الطفولة لكل منا -حيث إن طفولتنا تكاد أن تكون متطابقة- تحدث صديقي عن أيام طفولته التي يفتقدُها ويَحنُ إليها، تلك الحياة البسيطة حين كان يلتف الأهل والأقارب والأصدقاء في الشتاء، حول مواقد النار حيث تلتهم النار أكُلها في هدوء، بينما تلتهم الحكايات والقصص ليلَهم، مع أكواب الشاي والسحلب الدافئة، وعلى الرغم من أننا نفعل نفس الشيء الآن، إلا أنه كان مُندهشًا من أنه لا يستطيع تلبية كل هواياته في الحياة، فإلى جانب عمله لديه هوايات القراءة في شتى صنوف المعرفة وصيد الطيور «المقناص» ومشاهدة مباريات كرة القدم ومتابعة البرامج السياسية ومشاهدة الأفلام العالمية والعربية، قديمها وجديدها، ومجالسة الأصدقاء وحب السفر، إلا أنه لا يستطيع إيجادَ الوقت لتلبية كل هواياته التي لا يستطيع الاستغناء عن إحداها.

وعلى الرغم من أنني أهوى كل هواياته هذه -ما عدا صيد الطيور- فقد اعتدت في الصعيد على أكل الطيور وليس صيدها.

قلت له أما هواية الصيد فلها موسم محدد كل عام وينتهي، وبقية الهوايات تحتاج إلى ترتيب، لكن بعد طول حديث وجدنا أن هذه الهوايات لا تسرق الوقت، لكن سارق الوقت الحقيقي هو الهاتف المحمول من خلال تطبيقات السوشيال ميديا التي يحملها، واندهشنا كيف استطاع الغربُ أن يصنع لنا وسيلة نتعلق بها إلى حد الإدمان، كما يدفن الأطفال ألعاب طفولتهم، ويتحدثون معها ويلعبون معها اعتقادًا أنها حقيقية وليست جمادًا، فإذا بها تسرق وقتَنا وعمرَنا دون أن ندري، نعيش حياة وهمية مع أصدقاء وهميين على السوشيال ميديا، ونعيش بعيدًا عن الحياة الواقعية، وكأنها عُزلة مقصودة تسبب التفكك المُجتمعي وتزيد الوحدة.

بالتأكيد هناك فوائد عديدة من السوشيال ميديا على هاتفك مثل التواصل مع أصدقاء حقيقيين، الترفيه، تتبع الأخبار ومتابعة الأحداث، لكن هل تقضي وقتك فعلًا في مثل هذه الاهتمامات؟!

تستطيع أن تكتشف الحقيقة كما فعلنا، فقط ادخل على إعدادات هاتفك ثم اضغط على «وقت الشاشة» أو Screen time

لمعرفة أي تطبيق يحصل على الجزء الأكبر من اهتماماتك، وكم ساعة تقضيها عليها في اليوم وفي الأسبوع أيضًا، ثم ادخل على التطبيقات نفسها لتعرف ما هو أكثر تطبيق تقضي عليه ساعات أكثر هل هو «واتس آب» أم «سناب» أم «فيس بوك» أم «تويتر»، لتعيد اكتشاف ذاتك ومعرفة اهتماماتك الحقيقية التي تطبقها وتنفذها كل يوم دون إدراك منك، وأخبرنا هل تعيش مع الحقيقة أم الوهم؟!

وقتها تستطيع تنظيم حياتك ووقتك «يُسأل الإنسانُ عن وقته فيمَ أفناه؟» لتكون كائنًا حقيقيًا يمشي على الأرض وليس على أوهام السوشيال ميديا، وقتها تستطيع أن تدرك صداقاتك إن كانت وهمية أم حقيقية، وهل بالفعل تقضي وقتك في برامج وتطبيقات مفيدة لك تحصل منها على الأخبار والمعلومات والثقافة والوعي والمتعة، أم أنك قضيت سنوات من عمرك في شيء يشبه غَزْل البنات تذوب متعته في فمك بمجرد ملامسة فمك!

استثمار الوقت هو الثروة الحقيقيّة التي تجعلك كائنًا مُنتجًا في مجتمعه وإضافة حقيقية إلى الأرض التي خلق عليها ليَعْمُرَها ويحسن الاستفادة من طبيعتها ومواردها، فموضوع الهاتف هو أكبر إلهاء يشغل يومك، والإشعارات الواردة من مُختلف التطبيقات تفقدك تركيزك ووقتك، أبعد الهاتف عنك أثناء عملك، حدّد أوقاتًا معينة للتواجد على السوشيال ميديا وأوقاتًا معينة لممارسة متطلباتك على الهاتف، ولا تجعل الهاتف يأخذ منك الوقت الذي تخصصه لعائلتك أو لأصدقائك.

لقد سخَّر الله الأرض للإنسان ليصلح فيها ويعمرها وأعطاه الوقت «نعمة» لكي يقدرها: «وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا ِنعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا».. فهل تستفيد من نعم الله عليك في أرضه؟!

إعلامي مصري

@samykamaleldeen

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X