المنتدى

حديث عابر عن دولة الرفاهية.. الأزمة (5)

بقلم/ د. محمد نشطاوي:

لقد أثير سؤال الأزمة منذ منتصف السبعينيات في فرنسا، ولكن أيضًا في ألمانيا وفي بلدان شمال أوروبا، حيث كان هناك حديث عن «أزمة دولة الرفاهية»، في ظل تباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة والصعوبات في تمويل الحماية الاجتماعية، مما أثار ويثير التساؤلات حول فعاليتها، وتكيفها مع الاحتياجات الاجتماعية الجديدة خصوصًا الشيخوخة الديمغرافية، وحيث لم تعد «دولة الرفاهية» تمتلك الوسائل اللازمة لتحقيق طموحاتها الاقتصادية والاجتماعية بسبب تباطؤ النمو.

وفي فرنسا، أطلق ريموند بار، رئيس الوزراء من عام 1976 إلى عام 1981، أول «خطة تقشف» تهدف إلى الحد من التضخم والبطالة، وتبعتها خطط أخرى أفرزت نتائج مخيبة للآمال بشكل عام، لاسيما في ظل ارتفاع عدد العاطلين عن العمل بشكل كبير: من 5.5% في عام 1978 إلى ما يقرب من 12% في عام 1993.

وفي المملكة المتحدة، كانت مارغريت تاتشر، التي تولت السلطة في الفترة من عام 1979 إلى عام 1990، غير مرنة في التعامل مع النقابات التي رفضت سياساتها الليبرالية المتطرفة. ولم تحصل على لقب «المرأة الحديدية» فحسب، بل خفضت أيضًا ديون الدولة والانتعاش الاقتصادي، ولكن على حساب تزايد عدم المساواة الاجتماعية وإغلاق العديد من المصانع. ويدافع إلوي لوران في كتابه «المستقبل الجميل لدولة الرفاهية» (2014) عن الأطروحة القائلة بأن دولة الرفاهية هي المؤسسة الأكثر فعالية التي تم إنشاؤها على الإطلاق عبر تاريخ البشرية الطويل. علاوة على ذلك، وفي مواجهة التحديات الاجتماعية والمناخية الجديدة، يبدو أن دولة الرفاهية هي المؤسسة الوحيدة القادرة على تعزيز التحول الاجتماعي والبيئي الضروري، والخيارات المجتمعية المصاحبة له (النمو الأكثر مراعاة للبيئة، وحماية الفئات الأضعف، وإعادة توزيع الثروة، وما إلى ذلك)..

أما بالنسبة لرودولف كلاين ومايكل أوهيغينز (نزع فتيل أزمة دولة الرفاهية: تفسير جديد 1988)، فقد اعتبرا أنه لا يمكن تفكيك دولة الرفاهية، رغم التحولات المستمرة والتغييرات التدريجية، وأن فكرة الأزمة تعمل كنوع من الستار لهذا النوع من التعديلات، وأن دولة الرفاهية تعتبر بنية لا رجعة فيها. وخلص مايكل. ك. براون (إعادة تشكيل دولة الرفاهية: منظور مقارن 1988)، إلى أنه لا داعي للقلق بشأن تفكيك دولة الرفاهية الاجتماعية، لأن الجهود الرامية إلى تقييد نمو الإنفاق في أوروبا وأمريكا الشمالية في الفترة بين عام 1975 وأواخر الثمانينيات كانت انتقائية وغير حاسمة، وأن دولة الرفاهية أكثر مؤسسية مما تصوره المراقبون.

إن النقاش حول مستقبل دولة الرفاهية يتسم بالخوف من نقص الموارد اللازمة لتلبية الطلب المتزايد على الإنفاق على خطط الحماية الاجتماعية القائمة. وفي هذا النقاش، يطالب البعض بموارد إضافية (زيادة المساهمات الاجتماعية، حيث أصبحت الاقتطاعات الإلزامية تمثل 45% من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي عام 2017 مقابل 30% عام 1960، كما ارتفعت نسبة الرعاية والسلع الطبية من 4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1960 إلى 8.5% في عام 2017. وكذا مزيد من الموارد للسياسات الاجتماعية) من أجل تمويل النظام القائم، في حين يرفضه آخرون لأسباب اقتصادية، على اعتبار أن انخفاض النمو والبطالة يرجع إلى تكاليف العمالة المفرطة، وهو ما يمكن تفسيره بارتفاع مستوى المساهمات الاجتماعية.

لكن هذه المعضلة تتجاهل تطورين عميقين في اقتصاديات ومجتمعات هذه الدول. فمن ناحية، يجب أن نأخذ في الاعتبار التطور التدريجي نحو اقتصاد الخدمات والمعرفة، حيث تلعب المؤهلات دورًا متزايدًا في النمو وإنتاجية العمل، وبالتالي أيضًا في فرص العثور على عمل جيد للأفراد. ومن ناحية أخرى، لا يمكن اختزال المشاكل الاجتماعية اليوم في شيخوخة السكان، إذ إن هناك احتياجات اجتماعية جديدة، ترتبط بارتفاع معدلات عدم المساواة، وعدم الاستقرار في العمل نتيجة المرونة المفرطة في إنهاء عقود العمل، وزيادة الفقر بين الشباب والأطفال، وظاهرة الاستبعاد من سوق العمل المرتبطة بنقص المؤهلات أو الصعوبات في التوفيق بين الأسرة وظروف الحياة المهنية (لا سيما رعاية الأشخاص المعالين أو الأطفال أو ذوي الاحتياجات الخاصة أو كبار السن، أو حتى الافتقار إلى الحماية الاجتماعية الكافية للأشخاص الذين لديهم وظائف مهنية متقطعة أو غير مكتملة).

فنحن نواجه، من ناحية، مشكلة التأهيل لشغل وظائف اليوم والاستعداد لوظائف الغد، ومن ناحية أخرى، نقص الخدمات المتكيفة مع الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة. وهكذا، ولمواجهة هذه الأزمة، لابد بداية من التوقف عن معارضة ما هو اقتصادي لما هو اجتماعي، واعتبار السياسات الاجتماعية بمثابة استثمار في رأس المال البشري، كما ينبغي أن يكون تعليم الأطفال ودعم الشباب وحماية الحقوق من أولويات الإعداد للمستقبل.

إلا أن التحديات الأكثر وضوحًا وإلحاحًا التي تؤثر على دولة الرفاهية، تبقى مرتبطة بشيخوخة السكان وتباطؤ النمو الاقتصادي، لاسيما وأن العامل الأول يدعو إلى نفقات متزايدة بدأت بعض الدول تلقى صعوبة في توفيرها في ظل الأزمات المتتالية للنظم الرأسمالية.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X