المحليات

مكارم الأخلاق.. لا يكن أحدكم ذا وجهين

قالَ سعيد بن عروة: لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر، أحَبّ إليّ من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وذا قولين مُختلفين.
وقال الشاعر:
خل النفاق لأهله … وعليك فالتمس الطريقا
وارغب بنفسك أن ترى … إلا عدوًا أو صديقًا
وقال إبراهيم بن محمد:
وكم من صديق وده بلسانه … خؤون بظهر الغيب لا يتذممُ
يضاحكني عجبًا إذا ما لقيته … ويصدفني منه إذا غبتُ أسهمُ
كَذَلِكَ ذُو الْوَجْهَيْنِ يُرْضِيكَ شَاهِدًا … وَفِي غَيْبِهِ إِنْ غَابَ صَابٌ وَعَلْقَمُ
أسباب تغير الخلق
وربما تغير حُسن الخلق والوطاء، إلى الشراسة والبذاء، لأسباب عارضة وأمور طارئة، تجعل اللين خشونة والوطاء غلظة والطلاقة عبوسًا.
فمن أسباب ذلك:
– الولاية التي تحدث في الأخلاق تغيُرًا، وعلى الخلطاء تنكرًا، إما من لؤم طبع، وإما من ضيق صدر. وقد قيل: من تاه في ولايته ذل في عزله. وقيل: ذل العزل يضحك من تيه الولاية.
– ومنها: العزل فقد يسوء به الخلق ويضيق به الصدر إما لشدة أسف أو لقلة صبر.
– ومنها: الغنى فقد تتغير به أخلاق اللئيم بطرًا، وتسوء طرائقه أشرًا. وقد قيل: من نال استطال.
وأنشد الرياشي:
غضبان يعلم أن المال ساق له … ما لم يسقه له دين ولا خلق
فمن يكن عن كرام الناس يسألني … فأكرم الناس من كانت له ورق
وقال بعض الشعراء:
فإن تكن الدنيا أنالتك ثروة … فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر
لقد كشف الإثراء منك خلائقا … من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر
وبحسب ما أفسده الغنى كذلك يصلحه الفقر، وكتب قتيبة بن مسلم إلى الحجاج أن أهل الشام قد التاثوا عليه فكتب إليه أن اقطع عنهم الأرزاق، ففعل فساءت حالهم فاجتمعوا إليه فقالوا: أقلنا. فكتب إلى الحجاج فيهم فكتب إليه: إن كنت آنست منهم رشدًا فأجر عليهم ما كنت تجري. واعلم أن الفقر جند الله الأكبر يذل به كل جبار عنيد يتكبر.
– ومنها الفقر، قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد أن يغلب القدر» . (ضعفه الألباني).
وقال أبو تمام الطائي:
وَأَعْجَبُ حَالَاتِ ابْنِ آدَمَ خَلْقُهُ … يَضِلُّ إذَا فَكَّرْتَ فِي كُنْهِهِ الْفِكْرُ
فَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ بَقَاؤُهُ … وَيَجْزَعُ مِمَّا صَارَ وَهُوَ لَهُ ذُخْرُ
وَرُبَّمَا تَسَلَّى مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْأَمَانِي، وَإِنْ قَلَّ صِدْقُهَا
فقد قيل: قلما تصدق الأمنية، ولكن قد يعتاض بها سلوة من هَمٍّ أو مسرة برجاء. وقد قال أبو العتاهية:
حَرِّكْ مُنَاك إذَا اغْتَمَمْت … فَإِنَّهُنَّ مَرَاوِحُ
وقال آخر:
إذَا تَمَنَّيْت بِتَّ اللَّيْلَ مُغْتَبِطًا … إنَّ الْمُنَى رَأْسُ أَمْوَالِ الْمَفَالِيسِ
– ومنها الهموم التي تذهل اللب، وتشغل القلب، فلا تتبع الاحتمال ولا تقوى على صبر. وقد قيل: الهم كالسم. وقال بعض الأدباء: الحزن كالداء المخزون في فؤاد المحزون.
وقال بعض الشعراء:
هُمُومُك بِالْعَيْشِ مَقْرُونَةٌ … فَمَا تَقْطَعُ الْعَيْشَ إلَّا بِهِمْ
إذَا تَمَّ أَمْرٌ بَدَا نَقْصُهُ … تَرَقَّبْ زَوَالًا إذَا قِيلَ تَمْ
إذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا … فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ تُزِيلُ النِّعَمْ
وَحَامِ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الْإِلَهِ … فَإِنَّ الْإِلَهَ سَرِيعُ النِّقَمْ
حَلَاوَةُ دُنْيَاك مَسْمُومَةٌ … فَمَا تَأْكُلُ الشَّهْدَ إلَّا بِسُمْ
فَكَمْ قَدَرٌ دَبَّ فِي مُهْلَةٍ … فَلَمْ يَعْلَمْ النَّاسُ حَتَّى هَجَمْ

 

أ. د. محمود عبدالعزيز يوسف

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X