المنتدى

جمال.. المُفكر والنموذج الغائب

بقلم/ بابكر عيسى أحمد:

 في ذلك الزمان من عام 1981 كانت سماء الخرطوم صافية، لم يكن ينتقصُ من ليلِها صوتُ الرصاص، ولا انطلاق الدانات ورائحة الجثث المُتحللة، التي تُركت نهشًا للكلاب والقطط، ولم تكن الحرب والكراهية تعرفان دروبًا لهما في العاصمة المثلثة التي تغنّى بجمالها وروعتها جيل من الشعراء العظام من الجيل القديم ومن المحدثين وكانت المحبة والمحنة تلف الجميع، من أُلفة وتراحم وتكاتف، وكان ملتقى النيلين مكانًا تألفه الأنفس ويتطلع إليه العُشاق ويتغنّى به الشعراء والأدباء والمفكرون.

فقد كانت الخرطوم بوابة للعطاء ومنبرًا للتألق ومساحة خضراء للحب.

في ذلك المساء والرياح الطيبة تهب على سماء الخرطوم حملتُ أوراقي وتوجهت صوب العمارات وحملت معها حزمة أشواق قديمة إلى منزل الأستاذ المؤرخ والأديب والدبلوماسي جمال محمد أحمد -عليه شآبيب الرحمة والمغفرة- (1915- 1986) واستضافني في حديقة منزله الغنَّاء التي تكسوها الخضرة وكان وقتها مهمومًا بالقضايا الإنسانية والقضايا العربية والإفريقية على وجه التحديد، وكانت له إسهامات فكرية غنية وثريًّة حول حقائق ذلك العصر.

استعرت بعض كلماته وأنا أقول: أستاذ جمال.. الحسُ والاقتدارُ شِقَّا مِقص لا يغنيك شِقٌ عن الآخر، معًا يقطعان الطريق، على انفراد يعجزان، ولقد أخذت أنت هذا السبيل وهو أقرب إلى سبيل الروائي يختار شواخصهُ ومواقفهم وأحزانهم وأفراحهم في فترة من التاريخ أو فترات، أقرب إلى سبيل نجيب محفوظ في بعض آثاره وسبيل ريكس وارنر في كل آثاره.

احترمت الحقائق والقرارات والحوار والمذاهب السياسية ولكنك لم تعدها العنصر الأول في الذي نعمل والذي لا نعمل، في الذي نحب والذي لا نحب، أخذتها أغطية قبِلها الناسُ على مر السنين كي لا تبين شهواتهم عارية لقاء بعضها بعضًا حين تصطدم، وجنب بعضها بعضًا حين تلتقي.

ما سعيت به إليك أن تحدثني عن جرح إفريقيا، وعن الحوار الذي بدأ وانقطع بين العالمين العربي والإفريقي، ودور الإعلام المطلوب لتعميق الروابط، وعدم الانحياز والفكرة البديلة عن عدم الانحياز، وإخفاقات منظمة الوحدة الإفريقية -التي عايشت إنشاءها وميلادها- فتماسك القارة الإفريقية يعنينا في المنطقة العربية، وسلامتها بضع من سلامة القارة، أمن إفريقيا بضع من أمن العرب وهكذا بدأ الحوار الذي نشر بمجلة الدوحة القطرية عام 1981.

أكثر من أفصح عن جمال محمد أحمد المفكر الثقافي السوداني هو الناقد «عبدالمنعم عجب الفيا» الذي كشفه بإبداع كتابي باتع مُحللًا لأقواله وسردياته الكتابية بوصفه عالم وباحث وكاتب ضليع في اللغتين العربية والإنجليزية له أسلوب متفرد في الكتابة، وجمال صاحب أحد أميز أساليب النثر السوداني، ونبغ في اللغة العربية حتى اختير عضوًا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة. جمال محمد أحمد هو مثال للنبوغ، والنبوغ هو أعلى من الإبداع والخلق، كان كاتبًا أكبر من مجرد كاتب من الكُتاب أو مجرد اسم من أسماء الكُتاب السودانيين، إذ كان وشمًا وعلامة دالة على مِخيال فكر مبدع باهر العطاء والتجدد، النبوغ والعبقرية أهم سمات جمال محمد أحمد وإبداعه الكتابي الزاخر بالفكر المُتوهج المتجدد.

جاء في كلمة الطيب صالح عنه في «سيرة كاتب سرة شرق» … وهي مسقط رأسه في حلفا القديمة لم يكن جمال شخصًا بالمعنى المعروف للكلمة ولكنه كان مثل زعماء الأحزاب أو قادة المدارس الفكرية، له حواريون وأتباع وأنصار، كان إنسانًا جذابًا إلى حد أن عددًا غير قليل من حواريه أخذوا يقلدون طريقته في الكلام والمشي والسلوك، وكان في سلوكه على سجيته لا يفعل شيئًا لا تألفه النفس.

كان جمال محمد أحمد -رحمه الله- نسيج وحده بأدق معاني الكلمة في حياته وفي فكره وكان أسلوبه من الأساليب المُميزة في الأدب المعاصر، كان إذا رثى الشاعر الإنجليزي لوي ماكنيس أو إذا وصف لقاءه بالبابا، أو إذا حدثك عن أيامه في جامعة هارفارد خلق لك عالمًا طريفًا مدهشًا تتمازج فيه الأضواء والظلال والابتسام والسخرية والفكرة والأحاسيس شأن كل أدب عظيم فإذا أنت تسمع وترى كأنما لأول مرة، إذا روحك تنتعش كأنك سبحت في بركةٍ صافيةٍ ذات صباح جميل، هكذا كان ضوؤه كأنه مجموعة أضواء.

يضيف الطيب صالح: في حضرته يتملكني إحساسُ مزيجٍ من الرهبة والتبجيل والمحبة فهو يكتب بإخلاص شديد كأنه يؤدي صلاة، وكانت الكتابة عنده نوعًا من التَّنَسُّك والرهبَنة، هي مجاهدة للإمساك بتلابيب الحس، انظر إليه كيف يعطف ويحنو على الكلمات كأنها فلذات كبده. كان بين مثقفي الإنجليز كأنه واحد منهم وبين مثقفي إفريقيا كأنه أحدهم، وكان عاشقًا للعروبة، جمع جمال كل هذه الصفات التي تبدو متناقضة بلا أدنى جهد أو مشقة فقد كانت شخصيته خالية تمامًا من التوتر والعنف.

يتساءل الدكتور فضل الله أحمد عبدالله الذي اختار عنوان هذه المقالة «جمال المفكر … النموذج الغائب» : إلى أي مقدار خبا ذلك التوازن بين المثقفين السودانيين وانطفأ بريقه في عصر جيلنا هذا وتقدمه، وإلى أي مسافه بلغنا من التضاؤل المُميت. إنه عصر الخيبات الكبيرة والهزائم المَهُولة والأوجاع.

ويكفي -رعاك الله- أن جمال هو من أسس دار النشر بوزارة التربية و التعليم السودانية، وأسس صحيفة الصبيان وكتب أروع قصص الطفولة في رائعته «سالي فو حمر» فليرحمه الله و ليرحمنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X