المنتدى

غزة في خضم التطورات الجيوسياسية في المنطقة (1)

بقلم/ د. محمد نشطاوي:

 إذا كانتْ هجماتُ السّابع من أكتوبر قد قوّضت الشعور بالأمن لدى الكثير من الإسرائيليين، وعملت على تأجيج مشاعر الأوروبيين؛ بسبب الشعور بالذنب التاريخي والظلم الذي يتعرّض له الفلسطينيون من قبلهم وبسببِهم، وذلك على امتداد الهُويات المتعدّدة للأوروبيين أنفسهم، وأحدثت انقسامًا في صفوف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي؛ بسبب تبدّل في التوافق بين الحكومات، وحالت دون اتّخاذ موقف أوروبي واضح من الصراع، وفاقمت حدّة الانقسامات الداخلية، وفضحت ازدواجية المعايير الدولية الغربية، فإن مناصري القضايا العادلة بشكل عام، والقضية الفلسطينية بشكل خاص، يرون أنَّ الصراع الراهن لا يمكن فصله عن سياقه العام، إذ يرزح الفلسطينيون منذ عقودٍ طويلة تحت وطأة الاحتلال والحرمان من الحقوق، ويعيش سكانُ غزّة تحت الحصار في أكبر سجن مفتوح في العالم، في ظلِّ تفاوت شاسع في موازين القوى العسكريَّة بين الجانبَين الإسرائيلي والفلسطيني، وغياب أي أُفق سياسي لحلّ هذا النزاع.

وإذا كانت مواقف الاتحاد الأوروبي غير موحدة تجاه العديد من المسائل المرتبطة بسياسته الخارجية كالهجرة وقضايا اللجوء والسياسة النقدية وغيرها، فإن الحرب الروسية الأوكرانية دفعت بتوحيد ليس فقط المواقف الأوروبية، بل حتى الأمريكية تجاه إدانة الغزو الروسي، وتقديم الدعم اللا مشروط لأوكرانيا، مع الإسراع في فرض عقوبات على موسكو، والتخلص من الاعتماد على الغاز الروسي، من منطلق تأثير ذلك على أمنها القومي.

أما الحرب في غزة، فقد طرحت تحدّيًا أمنيًا وسياسيًا مختلفًا تمامًا للأوروبيين، عمل على فضح ازدواجية في معاييرهم، وأبان عن مصداقيتهم الضئيلة والزائفة. إذ رغم تأثر الاقتصاديات العالمية سلبًا من جراء تداعياتها، واستمرار التأثيرات السلبية على اقتصاديات دول المنطقة، مع استمرار الانكماش الحاد المسجل خلال العام الماضي، ورفع مستويات المخاطر الاقتصادية في المنطقة، بل وامتدّ تأثير ذلك إلى الممرات التجارية الرئيسية وأسواق الغاز والنفط، مع ما يليه من ارتفاع مستويات التضخم العالميَّة، مما من شأنه تقويض الاقتصاد العالمي، خصوصًا في حالة إذا تفاقم الصراع وامتداده إلى المنطقة برمتها، فإنَّ ردود فعلهم بقيت دون مُستوى الانخراط الكلي، من جهة في كبح جماح آلة القتل الإسرائيلية المتوحشة وغير الإنسانية، ومن جهة أخرى في الدفاع المستميت عن إسرائيل، وغضّ الطرف عن مجمل المجازر والمآسي الإنسانية الناجمة عن جرائمها التي لم يعرف العصر الحديث مثالًا لها.

وقد اعتبرت تيرانا حسن، المديرة التنفيذية لمنظمة هيومن رايتس ووتش، أنّ «المعايير المزدوجة» للاتحاد الأوروبي بشأن حقوق الإنسان يمكن أن تؤثر على شرعيتها لدى دول الجنوب، وأن الاتحاد الأوروبي يخاطر بتكريس سمعة مفادها أن حقوق الإنسان لا تنطبق بنفس الطريقة على الجميع، فهناك مجموعة من الحقوق للأوروبيين أو القريبين من أوروبا، وأن مجموعة أخرى من الحقوق تنطبق على الأشخاص خارجها، مسلطة الضوء على التناقضات بين استجابة الاتحاد الأوروبي للغزو الروسي لأوكرانيا واستجابته للأزمات الإنسانية العالمية الأخرى، ولا سيما الأزمة الإنسانية الخطيرة في غزة.

وقد وثَّقت منظمة هيومن رايتس ووتش القمع الإسرائيلي الممنهج في فلسطين على مدى العامَين الماضيَين، مؤكدة في تقرير صدر عام 2021 أن بعض أشكال الحرمان التي يعاني منها الفلسطينيون تحت الاحتلال «ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في الفصل العنصري والاضطهاد».

ومن الناحية الجيوسياسية، فإنَّ حرب إسرائيل ضد قطاع غزة، والتي تحولت إلى حرب إبادة، لم تؤدِّ فقط إلى السقوط الأخلاقي للغرب؛ بسبب دعمه الهائل للجرائم الإسرائيلية، ولكن أيضًا إلى عرقلة المشاريع الغربية الكبرى للمنافسة مع الصين.

مما سيجعل الوضع أكثر صعوبة في المستقبل فيما يتعلق بتأثير التحركات ذات الطابع العسكري على الوضع العالمي، بما في ذلك الشحن الدولي، والمشاريع المختلفة، هو التنافس بين بكين وواشنطن على السيطرة على التجارة الدولية، وعدم الاتفاق على ذلك وفق رؤية موحدة للأمن، وهو ما سيقود كل طرف إلى الرغبة في إضعاف الطرف الآخر.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X