كتاب الراية

فيض الخاطر.. أرض الحكائين.. تنبت الصمت (2-2)

مع كل التعقيدات التي تضعها أمام القارئ رواية «الحكائين» للكاتبة د. حنان حمد الفياض، فلا جدال في أن هذه التجرِبة تضع كاتبتها أمام إشكالية غموض النص الروائي، وصعوبة فَهم هذا النص أمام الناقد عندما يلجأ إلى تفكيكه بحثًا عما يكتنزه من مضامين يُريد الكاتب تمريرَها بعيدًا عن سطوة القراءة السطحية، الأمر الذي يُشكّل عائقًا حقيقيًا أمام بعض القرّاء في بحثهم عن الوضوح الذي لا يحيل النص إلى رتابة السرد الحكائي، وفي الوقت نفسه لا يُضفي عليه ثوبًا من الطلسمة والغموض، إذا أخذنا في الاعتبار المُستويات المُختلِفة للقرّاء، خاصة أولئك المُتحمسين للتأويل البعيد كل البُعد عن مضمون النص، وأهدافه الظاهرة والخفيّة، وهذه الإشكالية تعني أن على الكاتب أن ينأى بنفسه وبنصه عن احتمالات الفَهم الخاطئ، حتى لا يُستنطق بغير ما يُريد، وماذا يُقال عن جنين يتولى دور الراوي العليم وهو لا يزال في بطن أمه لم يرَ النور بعد، ومع ذلك تطل المُباشرة أحيانًا بوجهها الصريح، والتقريرية تتضح في قولها: (حين يُرهقنا البحث عن الحب ربما نرتكب الحماقات، فنحب بلا حكمة، ونغفر بلا وعي، وتلك جريمتنا العُظمى في حق أنفسنا). هل هذا نوع من الفلسفة الناجمة عن تجارِب شخصية؟ أم هي من الأحكام التي ينتجها العقل في لحظة وعي عابرة، وماذا عن اللهجة المُباشرة عند الحديث عن دول الخليج، وما صاحب ذلك من نفس وعظي لا يتناسب بتاتًا مع أسلوب الكاتبة المُعتمد على الإيحاء في مُعظم أجزاء الرواية، قالت المُرشدة السياحيّة: (على المُثقفين دائمًا تقع مسؤولية الحفاظ على اتزان عقول الناس).

وعودًا على بَدءٍ ووصولًا لنهاية الرواية، ولأنه من الصعب في هذه العجالة ذكر تفاصيل هذه الرواية التي تضمها 328 صفحة، فإننا نصل إلى ذلك الجنين الناطق بلسان عربي مُبين لنشهد لحظة خروجه إلى الحياة، بعد أن (وصل الجنين إلى رحم أمه بطريقة فيها كثير من المشقة والمُعاناة والانتظار والترقّب، ولعله سيخرج إلى الحياة بالطريقة نفسها، فهل سيعيش الجنين الذي لا يشبه الأجنة؟! أم أن البقعة الآمنة جدًا التي قضى فيها عمره الأول ستغدر به)؟

هنا تتولى الأم السرد لتقول: (الموت الذي يُطاردنا دائمًا لا يُمكننا الفرار منه.. إنه الوحيد الذي لا يُخطئ في اصطيادنا).

ركضُ المُمرضات، إشارات الأجهزة، حالتي التي تدهورت فجأة، كل شيء يُشير إلى الموت، وأنا لا أكترث لأني ذقت الحب الحقيقي، وهذا يكفيني، كنت أسمعهم يقولون: سيموت! سيموت! وكنت أبتسم، كان من الصعب أن أصدق أن هدية الله لي هي الموت.

لما اكتملت إفاقتي، نظرت إلى يساري فإذا ليلى تحمله، صغير الحجم، مُتيقظ، مُحدق كأنه أبي حين يتعجب من الأشياء).

بذلك نسدل الستار على أحداث رواية جديرة بالقراءة المُتأنية والواعية.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X