كتاب الراية

قضايا وأحداث.. غزة تزلزل إيوان الجامعات العالمية

تعيش عملية طوفان الأقصى مرحلة جديدة تمامًا مع ما تشهده الجامعات من انتشار الاحتجاجات في جميع أنحاء العالم ضد الإبادة الجماعية الإسرائيلية التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. حيث تحولت الجامعات الأمريكية إلى ساحات للتظاهر والحرائق تدريجيًا؛ بسبب تواطئها في دعم النظام الصهيوني بشكل غير محدود وغير مشروط.

فلم تُصدر إدارات الجامعات أدنى رسالة حزن أو تضامن مع عشرات الآلاف من الأشخاص الذين فقدوا حياتهم في الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة طوال سبعة أشهر، لكنها لا تتوانى في إدانة حماس كمنظمة إرهابية وإصدار رسائل تضامن مع إسرائيل، ولم تتحدث عما تقوم به من جرائم وحشية في حق الشعب الفلسطيني والإنسانية كلها. وفي عمل مشين لتاريخ الجامعات الأمريكية تم إجبار رئيسي جامعتي هارفارد وجامعة بنسلفانيا على الاستقالة؛ بسبب عدم حظرهما للاحتجاجات على إسرائيل والتضامن مع فلسطين.

ولهذا أدى هذا التحزب المقيت والدعم الصارخ لإسرائيل من قبل إدارات الجامعات إلى خفض أصوات الأساتذة الذين قد يكون لهم موقف مخالف؛ لأن ثمن المخالفة في الرأي أو الموقف واضح جدًّا. فاليوم في الجامعات الأمريكية التي تضع معايير قيم الاستقلال العلمي وحرية التعبير، عندما يتعلق الأمر بالصهيونية تتحطم كل القيم وتتلاشى.

ورغم ذلك أصبحت مظاهرات التضامن مع غزة، التي بدأت أولًا في جامعة كولومبيا ثم انتشرت إلى جميع الجامعات الأمريكية، أكبر حركة جامعية في العالم منذ مظاهرات 1968. وقد جاء هذا التمرد الطلابي رد فعل للضغوط السياسية على الجامعة وإداراتها، ويمثل في الواقع تطورًا مفعمًا بالأمل فيما يتعلق بالمهمة الحقيقية للجامعة. ويكشف أن كل التمسك المزعوم من قبل الجامعة بالقيم العالمية والعلمية والإنسانية، لا يمكن تمريره، وأن الذين يدَّعون القيام بذلك لا يمكنهم بسهولة إخفاء ادعاءاتهم.

واليوم، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن التناقض الذي تغرق فيه أمريكا وأوروبا وجميع إدارات جامعاتها، لا يمكن أن يستمر. وكلما كانت القوة التي تدعم هذا التناقض أكثر غطرسة وتهورًا وقمعًا، كلما أصبح التناقض أكثر وضوحًا لتنكشف العلاقات الحقيقية في النظام العالمي الحالي. فالأحداث التي امتدت إلى الجامعات الأمريكية وجميع الجامعات العالمية، ستنمو وتجبر العالم على التغيير.

قبل سبع سنوات وفي غزة، أجرى يحيى السنوار العقل المدبر لطوفان الأقصى- مقابلةً مع رئيس تحرير بي بي سي العربية مراد بطل الشيشاني. وقال فيها: «غزة حجر الزاوية في العالم كله اليوم، وعندما يحركون هذا الحجر، سيتحتم حدوث تغيير جذري في العالم كله».

فالمشهد اليوم له زاويتان في إحداهما نرى عدوانًا إسرائيليًّا لا هوادة فيه يقوم بأفظع المجازر وأكثرها وحشية في تاريخ البشرية، وتقف وراءه القوة المسلحة الأمريكية غير المحدودة. وتستعرض فيه إسرائيل كل قوتها لإثبات قدرتها التدميرية في محاولة لزرع الخوف في نفوس الناس. وعلى الجانب الآخر، نرى نُبل غزة ومواصلتها المقاومة رغم القوة غير المتكافئة؛ لتسجل ملحمة وبطولة في المثابرة والإيمان والصبر وجمال كل القيم الإنسانية التي على وشك النسيان.

وبهذا فإن غزة لا تقف في المشهد كضحية، بل إنها بمقاومتها للعدوان لا تشير فقط إلى الظالم ووحشيته، بل تكشف حقيقة نظام عالمي منافق يخدع الجميع ويُخفي الحقيقة عن الناس، ويقتل، ويكذب، ويستغل، ويدمر الأجيال بأكاذيبه. فالحقيقة أنه لا مكان في هذا النظام العالمي المارق لم يتم احتلاله؛ إذ خسر الجميع حريتهم بطريقة أو بأخرى على اختلاف المستويات. وربما تكون غزة وسكان غزة هي المكان الوحيد والشعب الوحيد الذي تمكن من البقاء حرًّا في هذا النظام المدمر؛ ولهذا السبب تحمل غزة نور الحرية للجميع.

واليوم تعتمد سمعة الجامعات الأمريكية على تعاملها مع الاحتجاجات؛ فأمريكا التي تمتلك أفضل الجامعات في العالم، والتي تحاول بالفعل إنقاذ سمعتها، لديها مواقف غير مُبشرة على الإطلاق تجاه فعاليات التضامن مع غزة. فأكثر من 30% من إدارات الجامعات الأمريكية يهود، بينما لا يتجاوز عددهم هناك 2-3%. لكن أحد الجوانب اللافتة للانتباه في هذا الحراك الطلابي الجامعي الجديد، أن عددًا كبيرًا من اليهود يشارك في الاحتجاجات على ما يحدث في غزة.

وهكذا، فإن غزة تساهم في إنشاء عالم جديد هديةً لكل الشعوب، بما تقوم به من إجراءات لتغيير النظام العالمي، وتفكيك هيكل الاستغلال والانقسامات والفروق والرموز والخطابات التي تملأ المنصات.

 

أكاديمي وسياسي وكاتب تركي

@yaktay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X