المنتدى

عالم يسكنه الجنون والعته

بقلم/ بابكر عيسى أحمد:

سعدت كثيرًا هذا الأسبوع بالتواصل الذي يتم عبر الوسائط الاجتماعيّة من مُختلِف عواصم الدنيا، ويبدو أن عذابات الناس بينها قواسم مُشتركة، فالحزن والضياع والتوهان والأسى، تجدها عالقةً في كل الأفواه، وكأنما هذا العالم ينحدر بجنونٍ نحو هاويةٍ سحيقةٍ ومجهولةٍ وتسكنها الظلمة والظلام، وتذكرت كلمات الرائعة فيروز – جارة القمر – في مسرحية «الشخص» حيث خاطبت المتصرف – العمدة – بأنه «ليس هناك حدا مرتاح.. لا الحاكم مرتاح ولا المحكوم مرتاح»، تبدأ ملهاة هذه الحياة العبثيّة بعنوان عريض هو التوهان، وفي الحالة السودانيّة التي غابت عنها الشمس تسمع قصصًا وحكاياتٍ يشيب لها الولدان، بعد أن أصبح الوطن مغارةً طاردةً لأبنائها وأهلها، وأصبحنا مثل القطط التي تأكل أبناءها في مُناخات من الحقد والكراهية والعبث اللاأخلاقي بحياة الناس وقوتهم ومعاشهم.

الملايين تشردوا عبر الحدود أو تلاشوا في الداخل الفسيح، ولا تسمع سوى صوت الموت والرصاص وحتى التمثيل بالجثث، في هذه الظلمة لا تلمح ضوءًا في آخر النفق، بعد أن أصبحت كل الدروب مسدودةً ومُغلقةً أمام الحلول السياسيّة، فالموت هو العنوان وسط محاولات ساذجة ويتيمة لتغطية عين الشمس بغِربال.

شقيقتي الكُبرى الحاجة محاسن – أطال الله عمرَها – أضناها البِعاد عن بيتها ولم تعد تستسيغ الغربة وتحلُم بالعودة القريبة إلى بيتها، حيث الدفء المفقود والأمن الغائب والفوضى العارمة في الشوارع والطرقات وسط الأطلال المُدمّرة التي تسكنها الكلاب الضالة والنهابون لكل ما هو ثمين من كل الجهات.

على ضوء التحيّة التي وجهتُها الأسبوع الماضي في ذات المساحة لشباب الجامعات الأمريكيّة على موقفهم الأخلاقي والنبيل دفاعًا عن الشعب الفلسطيني الذي يتعرّض لمحرقةٍ في قطاع غزة واعتماد سياسة الإبادة الجماعيّة بدعمٍ صريحٍ وفاضحٍ من الإدارة الأمريكيّة، ابتداءً من البيت الأبيض ومرورًا بالكونغرس ومجلس النوّاب وكل المؤسسات النافذة لكسر صمود المُقاومة الفلسطينيّة الباسلة، التي أعادت إلى الأذهان ما حدث في فيتنام أواخر ستينيات القرن الماضي، عندما انتفضت أمريكا، شبابًا ورجالًا ونساءً، ضد العربدة الأمريكيّة الباطشة، قلت إنني سعدت بالتواصل، حيث كانت للمقالة أصداء واسعة، ولعلّ أهم هذه المُداخلات ما بعث به سعادة وزير الخارجية الأسبق في الديمقراطية الثالثة الأستاذ الزميل إبراهيم طه أيوب، المُقيم في العاصمة الإيطاليّة روما، حيث أوضح بجلاءٍ أن حَراك الجامعات الإيطاليّة كان الشرارة التي أشعلت الغضب في كل المؤسسات التعليميّة العُليا في أمريكا وأوروبا وبقية العالم.

جاءَ في مُداخلة سعادة الوزير أيوب: «اطلعت على مقالك، الذي خصصته بتوجيه التحيّة لشباب الجامعات الأمريكيّة، وهذا عملٌ بديعٌ منك، خاصة في الوقت الذي يجمد نشاط شباب الجامعات العربيّة».

فقط أودُّ أن أُشيرَ إلى أن من كان له قصب السبق في هذا المجال شباب طلاب إيطاليا الذين رفعوا شعار الحرب على الصهيونية التي تُحارب شباب فلسطين، وذلك منذ ديسمبر الماضي، ويقيني أن ثورة الجامعات الأمريكيّة إنما هي انعكاسٌ طيبٌ لما قاده طلاب الجامعات الإيطاليّة، فالعالم بات قريةً صغيرةً لا تفصلها حدود ولا أسلاك شائكة.

يُضيف الوزير أيوب: إن حركة مُناهضة إسرائيل بدأت عندما عممت وزارةُ الخارجيّة الإيطاليّة على الجامعات الكُبرى مشروعَ قرارٍ خاصًا بتجديد اتفاقيات التعاون والشراكة بينها والجامعات والمعاهد الإسرائيليّة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتقنية المُتقدّمة، حيث أخذ طلاب جامعة تورينو المُبادرة بمنع مجلس جامعتهم من عقد الاجتماع الخاص بتجديد هذه الاتفاقيات وعمدوا إلى إغلاق جميع منافذ دخول الوزراء والأكاديميين قاعة الاجتماعات، ثم تبعتهم حركة الطلاب في جامعة نابولي، الذين أغلقوا مداخل الجامعة الأربعة؛ منعًا لدخول رئيس تحرير صحيفة ريبو بليكا، المؤيّد للحرب ضد شعب غزة، حرم الجامعة، رغم توسلات عمادة الجامعة بالسماح للرجل بإلقاء مُحاضرته، لأنه جاءهم خصوصًا من روما مقر عمله، إلا أن الطلاب رفضوا أي تدخل في هذا الشأن، صفوة القول: إن الشعب الإيطالي بقيادة طلابه، وعكس موقف حكومته، يقف مُناصرًا للقضية الفلسطينيّة.

الرسالة الصاعقة الأخيرة في البريد الإلكتروني وصلتني من الصديق المُهندس مأمون السيد الذي أعلن أن تسليح الأطفال والزجَّ بهم في أتون المحرقة الدائرة في السودان بمثابة جريمة حرب تُعاقب عليها القوانين الدوليّة وتدينها الأديان السماوية، واسترشد مأمون السيد ببعض الأمثلة الفاجعة التي وقعت داخل الأسر الآمنة بسبب السلاح الفالت في أيدي الصغار المُستنفرين.

وأضافَ المُهندس مأمون: إن مكان هؤلاء الأطفال هو مقاعد الدراسة وليس الزجّ بهم في هذه الحرب الكارثيّة العبثيّة التي دمّرت البلاد وشردت العباد.

لا أحد يدري على وجه الدقة والتحديد إلى أين يقودنا هذا العالم المسكون بالجنون والعته وسطوة القوة التي أضاعت الحقوقَ وسلبت اليقينَ.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X