كتاب الراية

سطور شاردة …. معضلة الاجتماعات

في الكثير من المرات وأنا في مكتب عملي أرى وأسمع وأقرأ أن هناك اجتماعًا أو أن هناك دعوةً لحضور اجتماع داخل المؤسسة، فكنتُ أتساءل دائمًا عن القيمة الفعليّة لهذه الاجتماعات ودورها الحقيقي في العمل ونجاح الإدارات والدوائر فيه؟

وبعد بحثٍ وتأمّلٍ في الموضوع، وبعد أن حاولتُ أن أستحضرَ جميع الحيثيات والجوانب لأقومَ بتقييم حقيقي مُتواضع له، خلصتُ إلى أن الاجتماعات في الدوائر الحكومية وغير الحكوميّة في أغلبها عبارة عن تقليد دوري أكثر منه إجراءً ضروريًا بين فريق العمل في الأمور المُهمة والأساسيّة.

نعم هناك اجتماعات ذات فائدة يتم تقاسم المُعطيات والرؤى فيها، وتتم مُناقشة أمور المؤسسة وأهدافها عبر إشراك كل الموظفين في ذلك، وهذا يُساهم بلا شك في تجويد العمل وخلق فرصٍ للإبداع والتفكير الخلاق.

لكن أن تتحولَ هذه الاجتماعات لتقليد أسبوعي أو دوري، هدفها الاجتماع من أجل الاجتماع فقط، هو ما نعتبره إشكاليةً وتبذيرًا للعمل ووقته، وإضاعةً للجهد في لقاءات تكون مُناسبةً فقط للثرثرة ولصراع الديكة بين البعض ممن يُريدون إثبات أنفسهم أمام الآخرين أو الضرب فيهم، فلا يجدون مُناسبةً أفضل من الاجتماع لهذا، ومُناسبة أيضًا للبعض ممن يُعاني من نقصٍ في الثقة من المُديرين، فيجعل أغلب وقت الاجتماع ليلوك أمجاده ومناقبه ويمدح مساره المهني والشخصي، ويُذكّر الجميع للمرة المليون بإنجازاته القديمة، مُستغلًا عدم قدرة صغار الموظفين على الاعتراض أو التكذيب، لعله يحظى بتصفيق ومُباركة الحضور!

ثم إن الاجتماعات بشكلها الحالي، في نظري المُتواضع، هي إجراء تقليدي مُتجاوز لم يطله التطوير والتحديث في زمن الرقمنة والثورة الصناعيّة الرابعة. فمكاتب الموظفين حاليًا مُمتلئة عن آخرها بالحواسيب والهواتف وتطبيقاتها التي تُيسّر التواصل الفردي والثنائي والجماعي، وتُتيح تقاسم الأفكار والآراء والمعلومات بطرق أفضل دون الحاجة للقاءات الحضوريّة والاجتماعات الشكليّة. بالتالي، فما جدوى أن يتم عقد اجتماعات كثيرة يترك فيها الموظفون مكاتبهم وأعمالهم من أجل أشياء يمكن تحقيقها بشكل أفضل وفي وقت أقل عن بُعد وبوسائل التواصل الحديثة؟!

إن تحديث العمل الإداري لا بدّ أن يشملَ طرق العمل الفعليّة، وليس تحديث العتاد والشكليات التي لا قيمة حقيقيّة لها ولا تأثيرَ فعليًا على العمل وتجويده، ولعل أهم ما يحتاج إلى التعديل والتطوير هو العملية التواصليّة في الإدارات والدوائر، والعملية التواصليّة تشمل الاجتماعات التي لا بدّ أن تخضعَ لمنطق المصلحة الفُضلى للمؤسسة وتسخير الوسائل والآليات المُتوفّرة لتقاسم التعليمات بين الإدارة والموظفين دون الحاجة – دائمًا – لاجتماع فارغ لا ينتهي بأي شيء ذي قيمة.

[email protected]

@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X