اخر الاخبار

التغيرات المناخية وموجات الحر تفاقمان من ارتفاع معدل الوفيات سنويا على مستوى العالم

الدوحة – قنا:

تعد التغيرات المناخية من أكبر المهددات الصحية التي تواجه البشرية، وتتمثل أضرار هذه التأثيرات الصحية، من خلال تلوث الهواء والأمراض، والظواهر الجوية الشديدة، والتهجير القسري والضغوط على الصحة النفسية والعقلية، وزيادة الجوع، وسوء التغذية، بسبب عدم قدرة الناس على ممارسة نشاطهم الطبيعي في الأعمال الزراعية أو التجارية أو الاقتصادية وغيرها في الأماكن الجديدة التي استقروا فيها، وبالتالي عدم الحصول على غذاء كاف.
ووفقا لدراسة علمية حديثة أجرتها جامعة موناش في أستراليا، شارك فيها عدد من الباحثين المختصين، فإن موجات الحر خلال الأشهر الأربعة الأكثر سخونة من العام تؤدي إلى أكثر من 150 ألف حالة وفاة في جميع أنحاء العالم كل عام، وكشفت الدراسة أنه وبين عامي 1990 و2019، شكلت الوفيات الزائدة المرتبطة بموجة الحر 153 ألفا و78 حالة وفاة سنويا، أي ما مجموعه 236 حالة وفاة لكل عشرة ملايين نسمة أو 1 بالمائة من الوفيات العالمية، وفقا لدراسة أجرتها الجامعة الأسترالية.
وفي هذه الدراسة أوصي الباحثون وفي سياق تغير المناخ، بضرورة معالجة الآثار غير المتكافئة لموجات الحر على صحة الإنسان، لكن ذلك يتطلب نهجا شاملا لا يعالج المخاطر الصحية المباشرة أثناء موجات الحر فحسب، بل يسعى أيضا لتنفيذ استراتيجيات طويلة الأجل، وتابع الباحثون: “تشير هذه النتائج إلى الفائدة المحتملة للإجراءات الحكومية لتعزيز تكيف القطاع الصحي وقدرته على الصمود، مع مراعاة أوجه عدم المساواة بين المجتمعات”.
ويتجه تقرير صادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة، يحوي نشرة تقييم نتائج الأحوال الجوية للعامين 2022 – 2023 للقول: إن صيف عام 2022 كان الأكثر سخونة منذ بدء التسجيل في أوروبا، وأدت موجة الحر الطويلة الأمد إلى زيادة تركيز كل من الجسيمات والأوزون على مستوى الأرض، وتشير المعلومات وفقا لتقارير علمية دولية إلى أن عام 2022 شهد درجات حرارة مميتة، تعرض فيها البشر في المتوسط إلى 86 يوما، كانت شديدة الخطورة.
وبحسب هذه التقارير فإن عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاما ولقوا حتفهم بسبب الحر، فقد ارتفع بنسبة 85 بالمائة بين عامي 1991- 2000 وعامي 2013 – 2022، وعلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على التقرير بالقول إن “البشرية تواجه مستقبلا لا يحتمل”.
ووفقا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة حول المناخ فإن التغيرات المناخية أصبحت سريعة ومكثفة وواسعة الانتشار، وستواصل هذه التغيرات منحاها التصاعدي في المستقبل لتزيد من تأثيرها على حياة الإنسان والحيوان والنبات، عبر زيادة تواتر العديد من الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة، ويؤكد تقرير التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن مستوى الانبعاثات المستقبلية للغازات المسببة للدفيئة بسبب الأنشطة البشرية، سيحدد مدى الارتفاع في درجة الحرارة وشدة تغير المناخ في المستقبل والمخاطر المرتبطة به في المستقبل، ولا يقتصر الأمر على زيادة تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض، بل يشمل أيضا تسارع معدل هذه الزيادة. ويوضح التقرير أن هذه الانبعاثات مسؤولة عن حوالي 1.1 درجة مئوية من الاحترار.
ومن الظواهر المناخية المتطرفة وبحسب التقرير الأممي، فإن مستويات سطح البحر ستستمر في الارتفاع إلى غاية نهاية القرن حتى وإن قمنا بخفض الانبعاثات، ولكن إذا خفضنا الانبعاثات بما يكفي، فسيكون بالإمكان إبطاء معدل الزيادة، وتظهر النماذج المناخية أن ذوبان الصفائح الجليدية في القطب الجنوبي سيضيف ما بين 14 و114 سنتيمترا إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بحلول عام 2100.
وشهدت جميع المناطق في العالم خارج المناطق القطبية تقريبا ارتفاعا في موجات الحرارة الشديدة منذ الخمسينيات. وأصبحت هذه الظواهر تحدث بوتيرة أسرع بـ 5 مرات أكثر مما كانت عليه بين عامي 1850 و1900.
وقد أكدت دراسات سابقة أن هذه الموجات الشديدة لم تكن لتحدث في غياب الانبعاثات الغازية الملوثة للجو بسبب النشاط البشري.
كما أدى الاحترار إلى تفاقم الجفاف في بعض مناطق العالم، فحالات الجفاف التي حدثت في السابق مرة واحدة فقط كل عقد، أصبحت الآن أكثر تواترا بنسبة 70 بالمائة مما كانت عليه في حقبة ما قبل الصناعة.
وفي تقرير للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة، أشار إلى حقيقة مفادها بأنه ليس فقط ارتفاع درجات الحرارة هو الذي يشكل خطرا، بل وأيضا آثار التلوث الناتجة عن الحرائق والتي غالبا ما يتم تجاهلها، ولكنها ضارة بنفس القدر، ويكشف التقرير كيف تسببت موجات الحر في حرائق الغابات في شمال غرب الولايات المتحدة، كما أدت موجات الحر المصحوبة بتدخلات الغبار الصحراوي في جميع أنحاء أوروبا إلى سوء جودة الهواء ما ينذر بخطر كبير.
وفي هذا السياق تبين المعلومات المناخية للعلماء المختصين، كيف أن دراسات لحالة من البرازيل تضمنت الدور الذي يمكن أن تلعبه الحدائق والمناطق المغطاة بالأشجار داخل المدن من تحسين لجودة الهواء وامتصاص ثاني أكسيد الكربون وخفض درجات الحرارة، وبالتالي إفادة السكان.
ويقول البروفيسور بيتيري تالاس الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة: “تؤدي موجات الحر إلى تدهور جودة الهواء، مع ما يترتب على ذلك من آثار غير مباشرة على صحة الإنسان والنظم الإيكولوجية والزراعية، بل وعلى حياتنا اليومية، ولا يمكن التعامل مع تغير المناخ بشكل منفصل عن جودة الهواء، فكلاهما يسيران جنبا إلى جنب، ويجب معالجتهما معا لكسر هذه الحلقة المفرغة”.
وأضاف البروفيسور تالاس أن “ما شهدناه في عام 2023 كان أكثر تطرفا، فقد كان شهر يوليو هو الأكثر سخونة على الإطلاق، إلى جانب حرارة شديدة في أجزاء كثيرة من نصف الكرة الشمالي، واستمر ذلك خلال شهر أغسطس”.
وتابع: “لقد اجتاحت حرائق الغابات مساحات شاسعة من كندا، وتسببت في دمار مأساوي وحالات وفاة في هاواي، كما ألحقت أضرارا كبيرة وإصابات في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وقد تسبب ذلك في مستويات خطيرة من جودة الهواء لعدة ملايين من الناس، وأرسل أعمدة من الدخان عبر المحيط الأطلسي إلى القطب الشمالي”.
ويزيد تغير المناخ تواتر وشدة موجات الحر، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل، وهناك إجماع علمي متزايد على أن موجات الحر ستزيد خطر وشدة حرائق الغابات.
ويقول الدكتور لورنزو لابرودور، من شبكة المراقبة العالمية للغلاف الجوي التابع للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية:”إن حرائق الغابات ترتبط ارتباطا وثيقا بموجات الحر، ويحتوي الدخان الناتج عن حرائق الغابات على مزيج غير عادي من المواد الكيميائية التي لا تؤثر على جودة الهواء والصحة فحسب، بل تلحق الضرر أيضا بالنباتات والنظم الإيكولوجية والمحاصيل، وتؤدي إلى المزيد من انبعاثات الكربون، وبالتالي انبعاث المزيد من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي”.
وفي إطار الجهود الدولية لمواجهة التغيرات المناخية ونتائجها الكارثية، اعتمدت الدول في مؤتمر الأطراف COP26 ميثاق غلاسكو للمناخ، الذي يدعو إلى مضاعفة التمويل لدعم الدول النامية في التكيف مع آثار تغير المناخ وبناء المرونة.
كما أنشأت غلاسكو كذلك برنامج عمل لتحديد هدف عالمي بشأن التكيف، والذي سيحدد الاحتياجات الجماعية والحلول لأزمة المناخ، التي تؤثر بالفعل على العديد من الدول، في مسعى لتقليل الوفيات المتوقعة التي قدرتها منظمة الصحة العالمية بحوالي 529 ألفا بحلول عام 2050 بسبب التغيرات المناخية، وسيكون ملياران من البشر عرضة لأمراض متعلقة بهذه التغيرات، كما سيعاني 600 مليون آخرون من سوء التغذية عام 2080.
وتقدم دولة قطر جهودا كبيرة في إطار السعي الدولي لمجابهة تأثيرات التغيرات المناخية على المستويات كافة، حيث أكد سعادة الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز بن تركي السبيعي وزير البيئة والتغير المناخي، أن دولة قطر تقوم بالعديد من الجهود لمواجهة ما تحدثه التغيرات المناخية، والتي تعود لأكثر من ربع قرن، وشملت المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ عام 1996، بالإضافة لاستضافة قطر الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الدول الأطراف /cop18/، بمشاركة وحضور دولي كبيرين.
وقال سعادة وزير البيئة والتغير المناخي: إن الجهود الدولية لقطر تضمنت المساهمة في نجاح المفاوضات لإقرار اتفاق باريس للمناخ عام 2015، وكانت من أولى الدول التي وقعت على هذا الاتفاق، وكذلك استضافة منتدى الدوحة للكربون والطاقة، الذي شارك فيه خبراء دوليون لوضع توصيات في مجال السياسات العامة بشأن تغير المناخ، والطاقة البديلة، وجمع الكربون وتخزينه.
وكانت قطر قد أعلنت نهاية العام الماضي عن خطة للتحول الكلي إلى الطاقة النظيفة خلال عامين، حيث صرح السيد فهد سعد القحطاني، الرئيس التنفيذي لشركة /مواصلات/، أن دولة قطر وصلت إلى نسبة تجاوزت 70 بالمئة من الحافلات الكهربائية في منظومة النقل العام، وفقا لخطة وزارة المواصلات في الاستدامة البيئية.
وتبقى التحديات التي تواجه البشرية جراء التغيرات المناخية ماثلة، لكن مدى القدرة على التعاون لتقليل هذه المخاطر التي تتزايد بشكل مستمر هو ما يرسم ملامح الأمل لتقدير المخاطر المناخية، ما يتطلب تحركا جماعيا من الدول لإحداث التوازن المطلوب بين مختلف المناخات السائدة في قارات العالم، ولا يبدو أن إدراك حجم هذه المخاطر متساو بين من يقتسمون العيش والمنافع على ظهر الكرة الأرضية.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X