اخر الاخبار

اعتراف ثلاث دول أوروبية .. تأكيد على عدالة القضية الفلسطينية

الدوحة – قنا :

يشكل الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة نزاعا مستمرا منذ عشرات السنين، في ظل دعم الدول العربية والإسلامية ودول أخرى كثيرة حق الفلسطينيين في دولة مستقلة كاملة السيادة تكفلها القوانين الدولية، أمام الاعتداءات اليومية التي يمارسها الكيان الإسرائيلي المحتل على أرض الواقع منذ عقود مدعوما بالموقف الأمريكي المنحاز، والذي يترجم في أروقة مجلس الأمن بورقة الفيتو، وهو ما تجلى بوضوح عقب أحداث أكتوبر 2023 والعدوان الإسرائيلي المتواصل منذ نحو سبعة أشهر.
وحمل اعتراف أيرلندا وإسبانيا والنرويج بفلسطين كدولة عددا من التساؤلات بشأن تداعيات الخطوة على المسرح السياسي والدولي، خاصة مع الانتقادات اللاذعة التي وجهتها الحكومة الإسرائيلية وتهديدها باتخاذ “إجراءات عقابية”.
واعتبر يوناس غار ستور رئيس الوزراء النرويجي أن هذا الاعتراف يأتي لدعم “القوى المعتدلة التي تراجع دورها في النزاع المستدام”، مضيفا أن النرويج ترى أن السلام لا يمكن أن يتحقق في الشرق الأوسط دون الاعتراف بفلسطين كدولة، بينما اتهم رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إسرائيل بأنها تعرض حل الدولتين لخطر على إثر الحرب في غزة.
أما ردود الأفعال فكانت متنوعة تجاه القرار الثلاثي المشترك بالاعتراف الكامل وفق ما أوردته الصيغة المعلنة، فقد رحبت السلطة الفلسطينية ودول عربية وإسلامية بالقرار، حيث أجرى الرئيس الفلسطيني محمود عباس اتصالين هاتفيين مع رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، ورئيس وزراء أيرلندا سايمون هاريس، شكرهما خلالهما على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وعلى مواقف بلديهما الشجاعة والمبدئية بالاعتراف بدولة فلسطين.
كما رحبت جامعة الدول العربية بإعلان الدول الثلاث الاعتراف رسميا بدولة فلسطين، واعتبرت أن هذه الخطوة تعكس اقتناعا حقيقيا بحل الدولتين، ورغبة صادقة لدى هذه الدول في الدفاع عنه، وإنقاذه ممن يريدون تخريبه والقضاء عليه.
وأضاف بيان الجامعة العربية أن هذه الخطوة المهمة تأتي في أعقاب اعتراف كل من باربادوس وجمايكا وترينداد وتوباغو وجزر الباهاماس، حيث تنضم هذه الدول إلى الغالبية من دول العالم التي سبق وأن اتخذت الخطوة نفسها، ليصل إجمالي الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية إلى نحو 147 دولة.
في المقابل، اعتبر رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف بالدولة الفلسطينية “مكافأة للإرهاب”، بحسب وصفه، وخطوة تعزز “الإرهاب”، وفق تعبير وزير خارجيته يسرائيل كاتس عبر تغريدة على موقع “إكس”، لتستدعي إسرائيل سفراءها من أوسلو ومدريد ودبلن ردا على الخطوة.
وحظي الموقف الإسرائيلي كالعادة بدعم أمريكي إذ أعلن البيت الأبيض أمس الأربعاء أن الرئيس الأميركي جو بايدن يعارض “الاعتراف أحادي الجانب” بدولة فلسطين، وذلك بعد ساعات من إعلان أيرلندا والنرويج وإسبانيا اعترافها بدولة فلسطين، وهو ما يعكس مراوحة الأمريكيين في مكانهم، إذ إن هذا الانحياز تجلى أيضا في شهر أبريل الماضي، عندما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار جزائري يوصي الجمعية العامة بقبول فلسطين عضوا في الأمم المتحدة، بعدما كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد صوتت بالأغلبية “لصالح عضوية فلسطين الكاملة”، في قرار يحمل طابعا “رمزيا”.
وأوروبيا، لا يخفى الانقسام تجاه توقيت الاعتراف وتبعاته، ففي الوقت الذي دعا فيه رؤساء الحكومات في دول النرويج وإسبانيا وأيرلندا باقي الدول الأوروبية للاعتراف بفلسطين كدولة، قال ستيفان سيجورني وزير خارجية فرنسا: إن هذه الخطوة “ليست محظورة على بلاده، لكن الوقت ليس مناسبا الآن”، كما طالبت أنالينا بيربوك وزيرة الخارجية الألمانية باتخاذ خطوات ملموسة من أجل التوصل إلى حل سياسي للصراع في الشرق الأوسط، بدلا من “السياسات الرمزية”، بينما واصل منسق السياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل التعبير علنا عن تأييده لحل الدولتين في الشرق الأوسط، مضيفا وفق منشور على منصة إكس: “سأعمل بلا كلل، في إطار السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، مع جميع الدول الأعضاء لتشجيع اتخاذ موقف مشترك للاتحاد الأوروبي يقوم على أساس حل الدولتين”.
ومن تداعيات هذا الاعتراف -بحسب الخبراء الدوليين- يتيح خلق تمثيل دبلوماسي فلسطيني في النرويج وأيرلندا وإسبانيا، كالسفراء والهيئات الدبلوماسية، ناهيك عن فتح الباب أمام استحداث منصات سياسية وفكرية، يمكن أن تساعد على اختراق الأبواب الموصدة في الساحة الأوروبية المضادة للحقوق الفلسطينية، وبناء علاقات دبلوماسية، وتكوين رأي عام ذي سقف عال بأن القضية الفلسطينية بحاجة لتسوية وفقا للقانون الدولي والقرارات الشرعية الدولية بإقامة دولتين دون إغفال العقبات القانونية المتوقعة.

ومن شأن هذه الخطوة أن تشكل إجماعا دوليا قد يساعد الفلسطينيين على نيل العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وهو ما يؤدي في المستقبل إلى إلزام مجلس الأمن بإصدار قرارات متعلقة بمفاوضات السلام، تلزم إسرائيل بإنهاء الاحتلال للمناطق التي احتلها عام 1967 والعمل على الانسحاب منها، خصوصا إذا ازداد عدد الدول التي تعترف بفلسطين كدولة مستقلة.
ومن ناحيتها، اعتبرت السلطة الفلسطينية أن هذه الخطوة مساهمة ملحوظة في تعزيز السلام والعدل وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وستعزز تنفيذ حل سياسي على أساس قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، آخذين بالاعتبار أنها مقدمة لاعتراف مزيد من الدول الأوروبية، ودعم حصول دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
من جانبه يتجه الكيان الإسرائيلي لمزيد من العزلة الدولية، ويرى أن قرار الاعتراف سيضعه تحت مزيد من الضغوط العالمية الآخذة في التصاعد رسميا وشعبيا، مع رفضه التوصل لأي حلول تنهي معاناة الشعب الفلسطيني من خلال جلسات المفاوضات، وسط الدمار الهائل وعشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمجازر التي ارتكبتها آلة الحرب الإسرائيلية، بالإضافة إلى منع وصول المزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة.
ويعارض رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ فترة طويلة فكرة حل الدولتين، وزادت حدة رفضه شراسة منذ أن عاد للسلطة على رأس حكومة ائتلافية مع أحزاب يمينية قومية ودينية متطرفة بنهاية 2022، خصوصا أنه يواجه مظاهرات يومية مختلفة سواء من عائلات المحتجزين في قطاع غزة أو من المظاهرات السابقة الرافضة للتعديلات القضائية التي أقرها ائتلافه اليميني المتطرف منتصف العام الماضي.
وتعد السلطة الفلسطينية “مراقبا غير عضو في الأمم المتحدة” مثلها مثل الفاتيكان، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة -المؤلفة من 193 دولة- قد وافقت على الاعتراف بحكم الأمر الواقع بدولة فلسطين ذات السيادة في نوفمبر 2012، وذلك بترقية وضعها القانوني من “كيان” إلى “دولة مراقب غير عضو في المنظمة”.
الجدير ذكره أن 144 دولة حول العالم تعترف بفلسطين كدولة، وفقا لوزارة الخارجية وشؤون المغتربين الفلسطينية، في إحصائية نشرتها قبل إعلان الدول الأوروبية الثلاث الأخيرة، وبعد قرار أيرلندا والنرويج وإسبانيا اليوم يصل عدد الدول المعترفة بفلسطين إلى 147، منها 11 دولة أوروبية.
وفي تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الاعتراف بفلسطين كدولة، يبرز إعلان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات عام 1988 في الجزائر عن قيام دولة فلسطين، وبعد دقائق اعترفت الجزائر رسميا بالدولة الفلسطينية، وتبعتها لاحقا عشرات الدول العربية والإسلامية ودول آسيوية وإفريقية.
وفي الفترة بين أعوام 2009 و2012 اعترفت العديد من الدول بفلسطين كدولة استجابة لمساعي دبلوماسية دولية قامت بها السلطة الفلسطينية من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وانتهت بحصول الفلسطينيين على صفة “دولة مراقب” في الأمم المتحدة، ومن أبرز تلك الدول الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي، في خطوة حظيت بترحيب فلسطيني واستياء إسرائيلي.
وفي عام 2014 اعترفت السويد رسميا بفلسطين كأول دولة أوروبية، في خطوة قالت عنها ستوكهولم إنها “تؤكد على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم”، بينما اعتبرتها واشنطن في ذلك الحين خطوة “سابقة لأوانها”، كما اعترفت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بفلسطين، وهي المجر وبولندا وسلوفاكيا، لكنها اتخذت هذه الخطوة قبل انضمامها إلى الاتحاد.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X