اخر الاخبار

مجلس التعاون الخليجي.. 43 عاما من التفاعل الإقليمي والحضور الدولي المتميز 

 
الدوحة  – قنا:

تحل اليوم السبت الموافق للخامس والعشرين من مايو، الذكرى الثالثة والأربعون لتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، لتؤكد نجاح مسيرته المباركة وصلابة بنيانه، بفضل السياسات الحكيمة والمتوازنة التي يتبناها، بتوجيهات كريمة وحكمة سديدة من أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس.
وتحل هذه الذكرى فيما تمكن المجلس بعد هذه السنوات الطويلة من العطاء والتفاعل من تعزيز مكانته الإقليمية وتفاعله وحضوره الدولي، وأصبح شريكا فاعلا وموثوقا به لترسيخ الأمن والاستقرار حول العالم.
وتحل الذكرى الثالثة والأربعون لقيام مجلس التعاون في وقت أثبت فيه المجلس أنه أنجح تجربة تكاملية في المنطقة، وهي تجربة باتت محط إشادة وإعجاب من القاصي والداني، وأضحت ركيزة أساسية للأمن والاستقرار، وصوتا للحكمة والاتزان، ونموذجا فريدا للحياة الكريمة، كما تأتي هذه الذكرى السنوية والمواطن الخليجي ينعم بفضل الله بالأمن والاستقرار، ويسمو بانتمائه ومبادئه، ويشعر بالفخر بمنجزاته ومكتسباته، ويمد يد العون والمساعدة لأشقائه والإنسانية جمعاء.
تم تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الـ25 من مايو 1981م في ظروف استثنائية نتيجة للتوترات الإقليمية في ذلك الوقت وللتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي كانت تواجه دول المنطقة مما دفع دول المجلس إلى توحيد الجهود والتعاون بينها، وتعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي والأمني لتحقيق الاستقرار والتعاون ومواجهة هذه التحديات.
وتتمثل الأهداف الرئيسة لإنشاء مجلس التعاون الخليجي التي حددها نظامه الأساسي، في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين دوله الأعضاء في جميع المجالات، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية والتجارية والجمارك والمواصلات، وفي الشؤون التعليمية والثقافية، والاجتماعية والصحية، والإعلامية والسـياحية، والتشـريعية والإدارية، ودفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية، وإنشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشروعات مشـتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص.
ولم يكن قرار إنشاء المجلس في الثمانينيات وليد اللحظة، بل كان تجسيدا مؤسسيا لواقع تاريخي واجتماعي وثقافي، حيث تتميز دول مجلس التعاون بعمق الروابط الدينية والثقافية، والتمازج الأسري بين مواطنيها، وهي في مجملها عوامل تقارب وتوحد عززتها الرقعة الجغرافية المنبسطة عبر البيئة الصحراوية الساحلية التي تحتضن سكان هذه المنطقة، ويسرت الاتصال والتواصل والترابط بينهم والتجانس في الهوية والقيم، كما جاء تأسيس المجلس استجابة لتطلعات أبناء المنطقة في العقود الأخيرة لنوع من الوحدة العربية الإقليمية، بعد أن تعذر تحقيقها على المستوى العربي الشامل.
وقد نص النظام الأساسي لمجلس التعاون على أن تأسيسه جاء إدراكا من دوله الأعضاء لما يربط بينها من علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية، وإيمانا بالمصير المشترك ووحدة الهدف التي تجمع بين شعوبها، ورغبة في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بينها في جميع الميادين، واقتناعا بأن التنسيق والتعاون والتكامل فيما بينها إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية.
وفي سياق تطور المجلس وزيادة فعاليته وأثره وتأثيره خليجيا وعالميا، أطلق المجلس في التاسع والعشرين من مارس الماضي، رؤيته للأمن الإقليمي، وشاركت دولة قطر في فعالية إطلاق الرؤية التي نظمتها الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، في الرياض.
وترأس وفد دولة قطر، في تلك الفعالية سعادة الدكتور خالد بن فهد الخاطر مدير إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية، الذي ألقى كلمة دولة قطر أمام الفعالية، وقال إن إطلاق الرؤية يأتي في مرحلة تشهد تصاعد المتغيرات الدولية والإقليمية، مما يستوجب تكثيف التنسيق للتعامل معها، وتجنب تداعياتها الخطيرة، وأشار سعادته إلى أن دول مجلس التعاون تعمل على تعزيز روابط الأمن الجماعي وسلامته، وتتقاسم منهجا مشتركا للسعي إلى تهدئة التوتر ومعالجة عدم الاستقرار في المنطقة من خلال الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية، والعمل على إنهاء الصراعات التي تنتهك فيها سيادة الدول، من خلال الحوار وحل الخلافات عبر المفاوضات وبالطرق الدبلوماسية، وعدم اللجوء للقوة حرصا على أمن واستقرار المنطقة.
ولفت سعادة الدكتور خالد بن فهد الخاطر إلى أن الفعالية تأتي تكليلا للجهود الخليجية المشتركة من خلال فريق الأمن الإقليمي للتوصل إلى تصور ورؤية مشتركة لمجلس التعاون تجاه الأمن الإقليمي في منطقة الخليج، مضيفا أن هذه الرؤية تمثل نقطة الانطلاق للتعاطي مع موضوعات الأمن الإقليمي في المرحلة القادمة، من خلال الحوارات القائمة مع عدد من الشركاء في هذا الشأن.
وأوضح سعادة الدكتور خالد بن فهد الخاطر مدير إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية أن الرؤية تقوم على عدد من مرتكزات الأمن لمجلس التعاون، على رأسها النظام الأساسي للمجلس الذي يؤكد على المصير المشترك ووحدة الهدف بين دول المجلس وتحقيق التنسيق والتكامل، فضلا عن اتفاقية الدفاع المشترك التي تنص على أن أي اعتداء على أي منها هو اعتداء عليها جميعا وأي خطر يهدد إحداها يهددها جميعا.
كما شارك سعادة مدير إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية، في جلسة حوارية نظمتها الأمانة العامة لمجلس التعاون خلال الفعالية، حول رؤية مجلس التعاون للأمن الإقليمي وسبل تعزيزها والمضي قدما فيها، مشيرا في كلمة إلى أن تعزيز الأمن الإقليمي يعتبر من أولويات دولة قطر خلال فترة رئاستها للدورة الحالية لمجلس التعاون، وهو ما يعكس التزام دولة قطر طويل الأمد بمبدأ المساهمة في تعزيز أمن المنطقة عبر بناء جسور الحوار والتعاون.
ولقد أنجز مجلس التعاون عبر مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود العديد من الخطوات التاريخية التي تعزز بنيان المجلس وترسخ أهدافه وطموحاته في وجدان أبناء الخليج، ومنها إنشاء السوق الخليجية المشتركة، التي توفر فوائد عديدة تشمل ضمان انسياب السلع بين دول مجلس التعاون بما يؤدي إلى زيادة التنافس بين المؤسسات الخليجية لصالح المستهلك، كما أنشأت دول المجلس “منطقة التجارة الحرة”، التي تتميز بشكل رئيسي بإعفاء منتجات دول مجلس التعاون الصناعية والزراعية ومنتجات الثروات الطبيعية من الرسوم الجمركية، وقد دخلت منطقة التجارة الحرة حيز التنفيذ في مارس 1983، واستمرت نحو عشرين عاما إلى نهاية عام 2002 حين حل محلها الاتحاد الجمركي لدول المجلس.
كما أنجز مجلس التعاون خلال مسيرته التي دخلت عقدها الخامس مشروع بطاقة الهوية الموحدة لدول المجلس (البطاقة الذكية)، والتي أسهمت بتسهيل تنقل المواطنين بين الدول الأعضاء، وتقليل فترة الانتظار أمام المنافذ عن طريق الدخول بواسطة البوابات الإلكترونية، كما ساعدت في انسيابية حركة العمالة الوطنية بين الدول الأعضاء.
وفي سياق محطات ومشاريع مسيرة مجلس التعاون جاء إقرار الاستراتيجية الأمنية الشاملة لدوله الأعضاء، وكذلك الاتفاقية الأمنية لدول المجلس، كما حظي العمل العسكري المشترك باهتمام أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون منذ نشأته، ومن أبرز ما تحقق على هذا المسار إقرار اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون، والاستراتيجية الدفاعية للمجلس، وتشكيل قوات درع الجزيرة المشتركة، والقيام بالتمارين العسكرية المشتركة.
وقد حظي قطاع التعليم باهتمام مجلس التعاون خلال السنوات الماضية ونجح في تحقيق العديد من الإنجازات منها المساواة في التعليم العام والفني وتعزيز قيم المواطنة الخليجية، وتم إنشاء الشبكة الخليجية لضمان جودة التعليم العالي واعتماد الدليل الاسترشادي للممارسات الجيدة والمساواة بين أبناء دول المجلس المقيمين في المعاملة في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الحكومية.
وفي المجال الصحي، أثبتت دول المجلس تعاونها الكبير من خلال تبادل الخبرات والتقنيات الطبية بين الدول الأعضاء والتنسيق بينها لمكافحة الأوبئة والحفاظ على صحة المجتمعات في المنطقة، حيث كانت جائحة /كوفيد-19/ تجربة قام خلالها مجلس التعاون بدور مهم في التعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء لمكافحة انتشار الفيروس، ومواجهة تحديات الجائحة، وتطبيق الإجراءات الوقائية، وتنظيم حركة السفر والتجارة الدولية.
ويعتبر الربط الكهربائي بين دول مجلس التعاون من أهم مشروعات البنى الأساسية التي أقرها المجلس، وتشمل فوائد المشروع تخفيض الاحتياطي المطلوب بكل دولة، والتغطية المتبادلة في حالة الطوارئ، والاستفادة من الفائض، وتقليل تكلفة إنتاج الطاقة الكهربائية.
كما أقر المجلس الأعلى الاستراتيجية الإعلامية، ومن أبرز أهدافها تعزيز التعاون وفرص الوحدة بين دول المجلس، وترسيخ الهوية الخليجية والعربية والإسلامية لدول مجلس التعاون، وتعميق المواطنة الخليجية، ودعم ترابط المجتمع الخليجي وأمنه واستقراره، وتنمية الوعي المجتمعي العام لدى المواطنين والمقيمين، ودعم مسيرة المجلس والتعاون والتكامل بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بالدول الأعضاء.
واعتمد المجلس الأعلى في دورته الثالثة والثلاثين، الاستراتيجية البترولية للدول الأعضاء، انطلاقا من أهمية دول المجلس على المستوى العالمي، سياسيا واقتصاديا، ودورها الريادي في الصناعة البترولية، وثقلها البترولي باعتبارها تملك أكبر احتياطي مؤكد من البترول وتشكل أكبر منطقة لإنتاجه وتصديره.
ويعد مجلس التعاون لاعبا اقتصاديا موثوقا على الصعيد الدولي، فهو سوق ضخمة للصادرات من جميع أنحاء العالم، كما تلعب دول المجلس دورا متميزا في تزويد أسواق الطاقة العالمية بالنفط والغاز اللذين يعدان المحركين الرئيسيين للاقتصاد العالمي، ويشكلان قرابة ستين بالمائة من الطاقة المستهلكة على الصعيد الدولي.
وتتعاون دول المجلس فيما بينها بشكل واسع في كل قطاعات البيئة، كما تتعاون مع المنظمات العاملة بمجال حماية البيئة وصيانة مواردها الطبيعية، كما انضمت لعشرات الاتفاقيات والمعاهدات الإقليمية والدولية في مجال البيئة وحماية الحياة الفطرية والموارد الطبيعية، والتنوع البيولوجي وحماية طبقة الأوزون وتغير المناخ ومكافحة التصحر والتجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض.
وعلى صعيد السياسة الخارجية عمل مجلس التعاون على صياغة مواقف مشتركة وموحدة تجاه القضايا السياسية التي تهم دوله الست في الأطر العربية والإقليمية والدولية، والتعامل كتجمع واحد مع العالم، في إطار الأسس والمرتكزات القائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ومراعاة المصالح المشتركة، بما يصون مصالح دول المجلس، ويعزز أمنها واستقرارها ورخاء شعوبها، وعلى هذا المسار، نجح مجلس التعاون الخليجي في تعزيز مكانته الإقليمية وتأكيد حضوره على الساحة الدولية، وبات شريكا فاعلا وموثوقا به لترسيخ الأمن والاستقرار حول العالم، كما سعى المجلس منذ انطلاقته إلى توسيع شراكاته وحواراته الاستراتيجية مع العديد من الدول والتجمعات والدخول في مفاوضات التجارة الحرة مع الدول والمجموعات الاقتصادية الدولية تحقيقا للمصالح المشتركة، ووقعت دول المجلس على العديد من اتفاقيات التجارة الحرة مع دول أخرى حول العالم لتسهيل حركة السلع وتعزيز التجارة البينية وتوسيع فرص الاستثمار وتنمية العلاقات التجارية القوية.
وهكذا تمضي مسيرة مجلس التعاون بعزم وثقة من قادته وأبنائه متطلعة لغد مشرق والمزيد من الإنجازات، وتنفيذ الخطط التنموية الطموحة في كل دولة من دول المجلس لتحقيق مستهدفات التنمية الشاملة والمستدامة، والتي ارتكزت على المواطن الخليجي كمحور للتنمية وهدفها الرئيسي ومحركها الأساسي، والتي عكست مؤشراتها المتقدمة عالميا المكانة الاقتصادية لدول المجلس، والتي أصبحت نموذجا رائدا ليس على المستوى الوطني فحسب، بل وعلى المستوى الإقليمي والعالمي.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X