كتاب الراية

الباب المفتوح …. إعمار غزة بعد الحرب

دُمِّرت اليابان بالكامل تقريبًا بعد الحرب العالميّة الثانية، وفقدت المُكوّن الأساسي للنمط السياسي والاقتصادي والاجتماعي تقريبًا مع فِقدان مؤسساتها الرئيسية، ودون الدخول بالتفاصيل المُثيرة للنهضة اليابانيّة، إلا أننا في هذا المبحث نطرح نموذج النهضة اليابانيّة مع الإمكانات المُتاحة لقطاع غزة بعد حربه العالميّة الثالثة، بمجاز الطرح والتعبير، آخذين بعين الاعتبار حجم الدمار الذي تعرّض له القطاع على كافة الصُعُد، وفرص التنمية والتركيبة الاجتماعيّة للسكان. بداية، كان أول ما سعت له بقايا مؤسسات اليابان بعد الحرب المُدمّرة هو بناء المؤسسات، وذلك يعتمد بشكل كبير على أيديولوجيا المُجتمع المُنخرط بالفكر الإمبراطوري بما يُمثله من انصياع كامل للنظام والدولة، وبالتالي كانت تلك هي لبنة الأساس في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وفي غزة فإن المُجتمع مُنخرط تمامًا في أيديولوجيته العقدية التي تُمكّنه من إعادة خلق وتطوير المؤسسات والهياكل التنظيميّة تحت أصعب الظروف والإمكانات، كما نسقط على التجرِبة اليابانية أن قام الإمبراطور بحلّ حكومة الحرب وإطلاق نظام مُحابٍ للاحتلال الأجنبي (علمًا أن تلك كانت أول مرة في تاريخ اليابان أن يتم احتلالها على مر التاريخ)، وهذا ما يُمكن مُحاكاته مع عدم فكرة الاستنساخ الكلي للتجرِبة اليابانيّة، عبر إعادة صياغة الإدارة في قطاع غزة بترسيخ المفهوم الديمقراطي الذي يعتمد على بُعده الأيديولوجي في المقام الأول والتعدّدي كذلك، بما سيُفرز حكومة مُتوازنة مع مُتطلبات الموقف، أما النقطة الثالثة فهي انخراط اليابان بمُعاهدة سلام حقيقية مع حكومة الولايات المُتحدة، التي كانت بدورها قد قصفت مدن اليابان بالقنابل النوويّة لأول مرة في التاريخ، إلا أن البراغماتية عند دول المحور واليابان وأيضًا لدى الولايات المُتحدة والحلفاء، والاضطرار الاستراتيجي، والرغبة في الاستقرار عند اليابان كطرف، في خلق حالة من التوازن والسلام الذي انعكس على التنمية الاقتصادية في البلاد، قادت إلى هذا الاتفاق، وفي الطرح المُقارب لغزة فإن الحروب عادة ما تنتهي على طاولة المُفاوضات، حسب موقف كل طرف والضمانات الدوليّة التي يوفرها للطرف الآخر ودرجة المصداقية لها، وعليه فإن حكومة حماس وتحت مِظلة الصالح الوطني ستجد قواسم مُبتكرة تسمح بخلق واقع جديد مُغاير نسبيًا ولكن يخدم المرحلة القادمة، أما المحور الرابع فهو نوعية التحوّل الاقتصادي الذي يضمن الإعمار، فإن التجرِبة اليابانية اعتمدت على النهضة الصناعيّة الإنتاجية، طبعًا مع فارق الإمكانات مع قطاع غزة من حيث الموارد الطبيعيّة والاقتصاديّة والمساحة والجغرافيا، إلا أن الاقتصاد المُعاصر مُختلف كثيرًا عن تلك الحِقبة وهو اقتصاد المعرفة والاستثمار في الإنسان، والتكنولوجيا المُعتمدة على المورد البشري، وهو مُتوفر بكفاءة عالية لدى فلسطين عمومًا، وقطاع غزة خاصة، بما يُمكّنها من أن تكونَ مركزًا عالميًا في صناعة خدمات التكنولوجيا ومن برمجيات وحواضن أعمال تُقدّم عملها المعرفي لكل العالم، انطلاقًا من الخِدمات القانونيّة والمُحاسبية والمالية والبرمجيات والتسويق الإلكتروني والشبكات، والقائمة تطول بالخدمات المُرتكزة على المورد البشري الذي لا تحصره جغرافيا ولا حدود ولا معابر، إن الهدف من هذا الطرح في النهاية أنه يجب الوصول إلى حل شامل مُتوازن قابل للحياة والاستمرار للشعب الفلسطيني، ينعكس بدوره على الأمن والسلم الإقليمي والدولي، وإن الاستثمار في هذا الطرح في قطاع غزة سينعكس إيجابًا على التنمية الاقتصاديّة في المِنطقة والإقليم.

وأخيرًا، إن الأمن والحُرية مفهومان مُتكاملان لا يمكن فصلهما، كما قال بنجامين فرانكلين: الذي يُضحّي بالحُرية من أجل الأمن لا يستحق أيًا منهما.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X