كتاب الراية

قضايا وأحداث …. الإحرام وعرفة.. إعادة الإنسان لحقيقته

الحج عرفة…

يعد الوقوف بعرفة حدثًا فريدًا من نوعه في العالم، بالفعل يمكن كتابة العديد من المجلدات في فلسفة وأدبيات هذا الموقف المشهود الذي يظهر فيه ملايين المسلمين الذين حضروا بشغف تلبية لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام دون أي مظهر للرياء أو السمعة. ولذلك فإنه بالحسابات البشرية إذا أرادت أي مؤسسة صناعة مثل هذه الصورة المهيبة فإنها مهما امتلكت من وسائل لن تتمكن من جلب هذا الكم الغفير من الأشخاص من جميع أنحاء العالم للحصول على نفس المشهد، وهذا الحدث الذي بدأ بإبراهيم عليه السلام مستمر بطبيعته وتلقائيته كل عام دون انقطاع لا سيما منذ فتح مكة عام 630 ميلادية.

في هذا الموقف العظيم يتجرد كل مسلم من كل شيء ويُخلص دعاءه ووقوفه لله الخالق عز وجل. الجميع هناك سواء، جاؤوا شعثًا غُبرًا رافعين أكفهم راجين رحمة الله رب العالمين، ولسان حالهم: اللهم أنت ربي وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وكل واحد منفرد بربه سبحانه دون أي وسيط أو شاغل من شواغل الدنيا.

هناك يعقد كل شخص بنفسه العقد مع ربه عز وجل بإرادة كاملة، ويتحمل وحده المسؤولية دون أي تدخل خارجي، وفي المشهد يتجلى التوحيد الخالص لله رب العالمين والانقياد التام من عباده المسلمين الذين يشعرون بأنهم بطبيعتهم البشرية قريبون جدًّا من الله الخالق الذي يعرف خلقه أكثر من أنفسهم. إنه الله الذي لا أحد أقرب إلينا منه ولا أرحم بنا منه.

ومن مظاهر التجرد الواضحة في ذلك المشهد المفعم بالإيمان، ملابس الإحرام التي يجب على الحاج ارتداءها خلال أدائه المناسك وعلى رأسها الوقوف بعرفة. والإحرام ليس مجرد لباس لغرض توحيد الشكل العام لكل الحجيج، بل إنه خارج نطاق اللباس المعهود فلا يُسمى ثوبًا، فهو أقرب إلى شكل الكفن الذي يوضع فيه الإنسان بعد موته ليعود إلى خالقه غير متميز بشيء من متاع الدنيا. وهذا حاله الذي جاء عليه عندما وُلد طفلًا لا يمتلك أي صفات أو متاع يميزه عن غيره من الأطفال. ثم إن الإنسان بعد ولادته ويومًا بعد يوم يعرف معنى الأعراق والأصول الجغرافية والتاريخية والإنسان واللغات والطوائف والوظائف وكل ما يزيد من بعده عن طبيعته وعن غيره وكذلك تبعده عن ربه الذي خلقه. ثم يأتي يوم عرفة ليعيد الإنسانية كلها إلى الله مرة أخرى ويعيد إليها فرصة اكتشاف أصل خلقه فالجميع مخلوق من تراب لا فرق بينهم.

والإحرام هو أمثل وأبهى زي لهذا التقارب والوصول لحالة الوحدة، وكذلك فإن الإحرام حالة من اليقظة تتطلب مجموعة من السلوكيات التي تعين الحاج على تحقيق الغاية من حجه، فأثناء الإحرام من الضروري الشعور بالتعاطف والإيثار والقرب من الآخرين، إلى جانب عدم التصرف بما يسيء لأحد من مخلوقات الله، ويجب حفظ اللسان عن كل كلمة سيئة حتى إذا كان الموقف يأخذ إلى هذا التصرف أو تلك الكلمات السيئة؛ لأنه خلال تلك الرحلة الإيمانية لن يقف الشيطان متفرجًا ويدع الإنسان يفوز برضا الخالق، بل سيسعى بكل الطرق ليرده عن الطريق المستقيم ليضله ويخرج من هذا المشهد خاسرًا. ولهذا فهناك لا بد من السيطرة على الغضب وعدم سفك الدماء أو إيذاء الطير أو الحيوان أو حتى الحشرات والنبات، بل إن المُحرِم لن يأخذ شيئًا من شَعْرِه.

إن مسألة «عدم قص الشعر» أحد المواضيع التي تمثل الفلسفة العميقة الكامنة وراء الإحرام. فالله تعالى حين يعيننا لضبط سلوكياتنا تجاه الآخرين، فإنه سبحانه يرشدنا إلى داخلنا وجسدنا الذي ائتمننا عليه ليخبرنا هناك أن هذا الجسد لا يمكن التصرف فيه كما نريد. في هذا المشهد يتم تذكير الإنسان بربه وبحقيقة الحياة ومكانة الإنسان فيها إلى جانب غيره من المخلوقات، ويؤكد أنه لا يمكنه حتى التصرف في جسده إلا بعد أداء هذا النسك، والنزول من هذا المكان الذي يريد الله أن يرى فيه الإنسان بطبيعته بعيدًا عن هموم الحياة، والذي يبقى مكانًا يتجهز كل عام لاستقبال وفود الرحمن يوم عرفة ليعودوا في ليلة العيد ويومه بنعمة الرحمة والمغفرة.

عيد سعيد، وقرب من السميع المجيب، وفتح من الله ونصر قريب…

أكاديمي وسياسي

وكاتب تركي

@yaktay

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X