كتاب الراية

فيض الخاطر …. العيد وصفاء القلوب

هل العيدُ مُجرّد مُناسبة دينيّة يجب أداؤها وَفق شروطها بالشكل الذي يتناسب مع قدسيتها التشريعيّة، سواء من منظور ديني كفرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، أو من منظور اجتماعي كمُناسبة تجمع أفراد المُجتمع الواحد، لتأكيد صلات القُربي والمودة والرفقة الطيّبة ولتوثيق العَلاقات الاجتماعيّة، والتذكير بواجب التواصل والتآزر، أو أن العيد إلى جانب هذه المعاني السامية يعني أيضًا وجوب المُشاركة الوجدانيّة للأمة في سرائها وضرائها، بعد أن توحدت في يوم الحج الأكبر عند الوقوف في عرفات، لا فرق بين غنيهم وفقيرهم، أو بين أبيضهم وأسودهم، إلا من أتى الله بقلب سليم.

ويوم الحج الأكبر هو تذكير بهذه المُساواة، وما تُوجبه من التكاتف والتضامن للوقوف في وجه أعداء الأمة ورد كيد الكائدين والمُتآمرين عليها والمُتاجرين بقضاياها المصيريّة، ودرء الخطر عن مُقدّساتها ومُنجزاتها التنمويّة، في عالم تسوده الحروب والمُشاحنات والخلافات بين الدول، ومن المؤسف أن يكونَ عالمنا العربي والإسلامي مَيدانًا مفتوحًا لهذه الحروب، وتكفي نظرة عامة على خريطة العالم لإدراك حجم الخسائر التي تتكبدها الدول العربيّة والإسلاميّة في الأرواح والأموال، تنفيذًا لمُخططات عدوانية شرسة ترسمها قوى الشر، للحدِّ من طموحات العرب والمُسلمين في استعادة أمجادهم الغابرة، وتنفيذ التنمية المُستدامة لبُلدانهم والمُشاركة في صناعة حضارة العصر.

كانت للعيد بهجته يوم كانت الضمائر نظيفة والنفوس مُطمئنة والقلوب عامرة بالإيمان والمحبة، ويوم كانت الحياة بسيطة وخالية من التعقيدات التي فرضها الاهتمام بالثقافة الهزيلة التي يُحاول الأعداء ترويجها لتضليل أصحاب الحق عن المُطالبة بحقوقهم، وصدّ الناس عن المعرفة الجادة والبنّاءة للسير في طريق النهضة والازدهار، وتفكيك المُجتمعات المُتماسكة لإضعافها وتدمير طموحات أبنائها لتظلّ سيطرة دول الشمال على دول الجنوب قائمةً ومُهيمنةً على مصادر القوة العسكريّة والاقتصاديّة، وهما الأقوى لتحقيق ازدهار الدول ونهضة الشعوب، وما من سلاح لمواجهة هذه التحديات سوى الحفاظ على الهُوية والعودة إلى الإيمان العميق بالله أولًا والثقة ثانيًا وثالثًا ورابعًا بقدرات الأمة على تخطي التحديات، وتحقيق الآمال والطموحات بعزيمة لا تلين، وإصرار لا يعرف المُستحيل.

ووسط هذه الصور القاتمة، يظلّ الضوء واضحًا في آخر النفق بأن نصر الله قريب، ليعود العيد كما كان فرحة للصغار والكبار وبهجة للقاصي والداني، وقُربى إلى الله بالعمل الصالح وصلة ذوي القُربى وتفقد أحوالهم والوقوف معهم للتغلّب على مصاعب الحياة وتعقيداتها المُتشعبة، ومُتطلباتها الصعبة.

نظافة القلوب في العيد أولى من نظافة الملابس، والانشغال بسلامة النفوس من الضغائن والأحقاد، أولى من الانشغال بتتبع أخطاء الآخرين والتعامل معهم بالضرب من تحت الحزام، واتباع سياسة (أنا وبعدي الطوفان). ليظلّ المُجتمع المُسلم نظيفًا وخاليًا من الفساد، فساد العقول، وفساد الذمم وفساد الأخلاق.

وكل عام وأنتم ومن تُحبون بخير.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X