ما بينَ عَشية أو ضُحاها قدْ يجدُ الإنسان نفسهُ مُرتكبًا لجريمة ما، لا سيما الجرائم التي نرتكبها من غيرِ قصدٍ أو عمد مثل الجرائم الناتجة عن حوادث السير، ولما كانَ الحُكمُ الصادر بالعقوبة يترتب عليهِ في غالبِ الأحوال الحرمان منْ بعض الحقوق السياسية والمدنية فضلًا عن تسجيل الحكم في صحيفة الحالة الجنائية، ولا ريبَ أنَّ تِلك الآثار تحولُ بينَ المحكوم عليهِ وبين الاندماج ثانيةً في المجتمع، ولما كانتْ أهداف السياسة العقابية تتمثل بالدرجة الأولى في إصلاح المجرم وتأهيله دون أنْ يُتخذُ السلوك الإجرامي كوسيلة للتنكيل به أو التمييز بينه وبين غيره من أبناء وطنه، ولذلكَ كانَ من الضروري أنْ يكون هُناك نظام قانوني يُمْكِنُ من خلالهِ محو أثر السلوك الإجرامي متى أحسن المجرم سيرته وسلوكه وأقام الدليل على هذا بمرور فترة معينة دون أن يرتكب جرائم أخرى، ولذلك قررَ المُشرّع ما يُعرف بنظام رد الاعتبار وفتحَ من خلاله نافذة أمل وطموح أمام كل من سَقط في براثن الجريمة لاسيما المجرم بالصدفة، ليمحو وصمة السلوك الإجرامي الشائنة، وينتهج السلوك القويم، ويعود مرة أخرى ليفتح صفحة بيضاء مع المجتمع.
فنظام رد الاعتبار هو حق لكل شخص صدرَ ضدهُ حكم بعقوبة من أجل جناية أو جنحة في رد اعتباره بقوة القانون أو بواسطة قرار تصدرهُ المحكمة بعد مرور فترة من الزمن تُعدُ كمرحلة اختبار له عن حُسن سُلوكه، ويترتب عليه محو الآثار المترتبة على الجريمة مثل فُقدان بعض الحقوق السياسية والمدنية وتسجيل الحكم في صحيفة الحالة الجنائية، ورد الاعتبار إما أنْ يكون قانونيًا أو قضائيًا، فأمَّا عن رد الاعتبار القانوني فهو يتقرر بحكم القانون، فمجرد مرور فترة زمنية يُعيّنها القانون -دون أنْ يرتكب المحكوم عليه خلالها جرائم أخرى- يتم رد اعتبار المحكوم عليه دون حاجة إلى اللجوء إلى السلطة القضائية فهو رد اعتبار حتمي، وأمَّا عن رد الاعتبار القضائي فهو عبارة عن مجموعة من الإجراءات التي تُتبع أمام جهة قضائية معينة، فهو من اختصاص الهيئة القضائية تفصل فيه حسبما يتراءى لها من ظروف الطالب وعمَّا إذا كانَ جديرًا برد اعتباره إليه إذا حَسُنَ سَيرهُ وقَوَّمَ نفسهُ منذ صدور الحكم عليه أمْ أنهُ غير جدير بذلك.
وفي الختام نميز بين رد الاعتبار وبين ما يُسمَّى بالعفو الشامل أو العفو عن الجريمة أو كما يسمى برد الاعتبار التشريعي، إذْ إنَّ نظام رد الاعتبار هو مكافأة شخصية على حُسن سلوك المحكوم عليهم خلال فترة معينة، ولا يكون إلَّا بعد تنفيذ العقوبة، ولا يمحو الحكم بلْ يرفع آثاره بالنسبة للمستقبل، أمَّا رد الاعتبار التشريعي فهو يصدر بقانونٍ وفي ظروفٍ معينة ويُتخَذُ لغرضٍ عام ويترتب عليه اعتبار الجريمة كأنها لمْ تكنْ من الناحية الجنائية.