في آخر الإحصائيات التي أصدرها المجلس الوطني للتخطيط حول موضوع الزواج والطلاق بقطر في نهاية شهر يوليو الماضي، تبين وجود انخفاض بنسبة (0.3) بالمئة في إجمالي عقود الزواج، بينما سَجَّلَ إجمالي إشهادات الطلاق ارتفاعًا بنسبة (93.7) بالمئة، حيث بلغ إجمالي عدد عقود الزواج 348 عقد زواج، في حين بلغ إجمالي عدد إشهادات الطلاق 244 حالة طلاق.
فهذه الإحصائيات المُخيفة تجعلنا نتساءل جميعًا، كباحثين وكمواطنين على حد سواء، عن الأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع المهول في نسب الطلاق، وتأثيرات ذلك على المُجتمع القطري؟
فبعد انتشار ظاهرة التواصل الاجتماعي، وما تُروِّج له من أفكار دخيلة على المُجتمع، مثل الحرية والتخلص من عبودية الرجل وأن تكون المرأة حرة بنفسها، بلا قيود وتسعى لتحقيق ذاتها بالعمل والخروج للحياة المدنية، وبأن نجاح المرأة الحديثة لم يعُد في إنشاء أسرة وتربية أبناء ورعاية بيت، بل في أشياء أخرى تتعلق بالتخلص من أي ارتباطات أسرية أو ثقافية. والإشكال أنه توجد فئات واسعة من المراهقات اللواتي تدغدغهُن هذه الأفكار والصور التي يتم الترويج لها بأشكال وطرق متنوعة، فيَهِمْن على وجوههن مُصدقات كل هذه الشعارات الرنانة، فأخذن لا يقِمن لتلك الروابط أي اعتبار، فبعد أي مشكلة زوجية بسيطة يُهروِلن للطلاق بلا تردُّد.
ولعل من مظاهر ما وصل إليه المجتمع في هذا الجانب من انحلال أن بعض هؤلاء المراهقات أصبحن يقلدن الغرب تقليدًا أعمى، فصِرنَا نسمعُ نحن أيضًا عن «احتفالات الطلاق» !، فحين يتم طلاقها تحتفل وترسل بطاقات الدعوة وتصنع لها كعكة وتلتقط الصور كأنها حققت إنجازًا وأي إنجاز، فقد تحررت أخيرًا لتعيش حياتها بدون أولاد، ولا أحد بعدها سيُعكر عليها صفو مزاجها.
فالزواج والعلاقات الزوجية التي قال عنها ربُ العباد: (وَمِنْ ءَايَٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مودة وَرَحْمَةً) -الروم:21- ووصف عز وجل عقد الزواج بأنه ميثاق غليظ، ليس هزلًا أو مسألة عادية يمكن إنشاؤها أو فسخها على هوانا، أصبح اليوم أمرًا يختلطُ فيه الجد بالهزل، وتغلب عليه الأهواء والنزعات عند البعض، وأصبح يقوم على أسُس مادية ومتغيرات عاطفية، وليس على المؤانسة والصبر والتعاون.
يقول أحد المستشرقين: إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فهُناك وسائل ثلاث هي: 1 – اهدم الأسرة 2 – اهدم التعليم. 3 – أسْقِط القدوات. ولكي تهدم اﻷسرة عليك بتغييب دور (اﻷم) اجعلها تخجل من وصفها بـ «ربة بيت» . وهو ما نراه اليوم واقعًا، فالأسرة أصبحت أوهنَ من بيت العنكبوت، والمرأة -إلا من رحم ربي- أصبحت ترى قوتها ونجاحها في أشياء لا تتعلق بتربية الأبناء وتنشئتهم.
إن هذا الواقع الذي نراه اليوم لا شك ستكون له تأثيراتٌ وخيمة على المديَيْن البعيد والقريب، فلا شيء يُعوض الأم وحنان الأم ولا شيء يعوض دور الأب في حياة الأبناء، فسلوك الوالدين المُباشر وغير المباشر هو الذي يحدد نمو الطفل وتطوره، وقد شكلت هذه النظرة جزءًا من نظريات علم النفس في الحقبة المُبكرة. وهنا أتذكر أبيات شوقي حين قال:
ليس اليتيمُ مَن انتهى أبواهُ
مِن هَمِّ الحياةِ وخَلّفاهُ ذليلا
إنّ اليتيمَ هو الذي تلقَى لهُ
أُمًّا تَخَلّتْ أو أبًا مَشغولا
ولهذا لابد من أن نعيد للأسرة قداستها وللعلاقات الزوجية قيمتها، فكما يقول عالما النفس دكتور «غوتمان» ودكتورة «شوارتز» أنه عندما يبدأ الزوج أو الزوجة في القيام بالتعبير عن تقديره للطرف الآخر، يصبح من السهل تعزيز العلاقات الزوجية.