عبر متابعتي للمشهد الاقتصادي الخليجي منذ خمسة عقود متتالية وحتى اللحظة، وعلى ضوء التغيرات التكنولوجية المُتسارعة حاليًا، والتوترات الجيوسياسية العميقة في الشرق والغرب ثم التحول التدريجي للاقتصاد العالمي السلعي التقليدي إلى الاقتصاد المعرفي النوعي، بكل ما يحويه من اقتصاد رقمي وتطبيقات وبرمجيات وأدوات الثورة الصناعية الرابعة التي انطلقت وشهدها العالم منذ 2016، وقد تحدثنا عنها بإسهاب الأسبوع الماضي.

في تقديري الشخصي -من منظور جيو اقتصادي صِرف في الأجل المتوسط والبعيد- أرى أن منظومة مجلس التعاون الخليجي لا خوف عليها حين تتبدل مراكز القيادة السياسية والاقتصادية للعالم، أو تحولها من الغرب إلى الشرق، أو حتى حدوث قطبين مُتنافسين أو تعدد القطبية في إدارة العالم. لأنه بافتراض أن المنظومة الخليجية رغم مواردها وإمكاناتها وعلاقاتها الدولية لا تستطيع خلق قطبية إسلامية عربية موحدة ضاربة، يكون لها وزنها الدولي ويحسب لها ألف حساب، (لأن هاجس الشعوب الإسلامية المُستضعفة من وحي حرب غزة حاليًا -رضينا أم أبينا- يقول إن الصراع «أممي ديني» أكثر مما هو سياسي اقتصادي استعماري).

ولكن لأن الأمة ككل حاليًا تفتقد عوامل الوحدة والقوة التضامنية الفعلية، فليس أمامها من سبيل، أو «كارت» تلعب به سوى الكارت الاقتصادي بمعنى، أن دُول الخليج العربية، أمامها رؤية عملية براغماتية تستند إلى التفكير السياسي الإبداعي لديها (خاصة أن تلك الدول قد حققت النضج السياسي وأجادت مهارات فن التفاوض الدولي عبر العقود السبعة الماضية)، تلك الرؤية بالطبع تهدف إلى تعظيم المصالح والمكاسب الاقتصادية لشعوب دول الخليج والمنطقة، وهي تساند وتدعم بمواردها القوى الاقتصادية الغربية والشرقية على السواء، ما يُعطيها المرونة السياسية الكافية للتحرك بأي اتجاه يناسبها برجماتيًا، في حال إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية الدولية، طالما أن لديها سلعة استراتيجية مطلوبة عالميًا بحد أقصى حتى عام 2050، حينها تنتهي صلاحية استراتيجية سلعة النفط حسب مصادر وكالة الطاقة الدولية.

خبير اقتصادي