حينما بحثت في جذور انتشار ظاهرة الطرح الوصفي التشخيصي فقط، والترويج لليأس والسوداوية من قِبل كثيرٍ من المُثقفين والكُتَّاب العرب والمُغرِّدين حول المُشكلات والقضايا القوميّة والقُطريّة إجمالًا، وجدت أن هناك عوامل متداخلة، منها ثقافية وتربوية وسياسية واقتصادية واجتماعية، ما ينعكس سلبًا على الخطاب العام. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن الثقافة النقدية غير مُكتملةٍ لدى كثيرٍ من النخبة المثقفة، حيث إنه بسبب انتشار ثقافة التشكيك والسخط العام لديها، فهي تؤسس خطابها على النقد فقط دون تقديم البدائل والحلول. حيث ينظر للناقد على أنه أكثر وعيًا وجرأة، ما يجعل النقد السلبي أكثر قَبولًا وتأثيرًا في الوسط الثقافي والنخبوي. وهذا بالطبع ناتج عن غياب أدوات الحلول العملية الممكنة، الناتجة عن ضعف المؤسسات البحثية والمراكز الفكرية التي يفترض أنها تقدّم حلولًا علميةً وعمليةً للمُشكلات بأنواعها. وهذا الضعف المؤسسي البحثي حدث نتيجة لغياب منظومة التفكير الاستراتيجي التي تعتمد على الحلول العلاجيّة بدلًا من مجرد وصف تشخيصي للأزمات. وهذا الوضع بطبيعة الحال فرضه عدم توافر البيئة المناسبة لطرح الأفكار بأنواعها وتنفيذها، ما يجعل النخبة تكتفي بالوصف دون طرح الحل العلاجي الذي قد لا يجد طريقه للتنفيذ. على صعيد آخر، المحتوى السوداوي والتشاؤمي الذي يبث عبر مِنصات التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا، يكون تأثيره الإعلامي، للأسف، أكبر، بغض النظر عن دقته وصدقه، كما يستجلب تفاعلًا جماهيريًا أكبر، وهذا ما يدفع المُثقفين والمُهتمين بالشأن العام إلى التركيز عليه.
الجدير ذكره بهذا الصدد، أن هناك ضعفًا في الترابط بين الفكر والممارسة، وذلك لعاملين، أولهما عدم امتلاك الخبرة العملية والوسائل العلمية بمجالات الاقتصاد والسياسة لدى كثيرٍ من المثقفين والكُتَّاب، ما يجعلهم فقط قادرين على وصف وتشخيص المُشكلات، لكنهم غير مؤهلين لطرح العلاجات العلمية والعملية لها. وثانيهما غياب التفاعل الحقيقي سياسيًا بين جهابذة الأكاديميين وصنّاع القرار، واقتصاديًا بين كوكبة الخبراء الاقتصاديين المؤهلين وروّاد الأعمال والشباب المبتكرين ورجال المال والأعمال التقليديين، ما يجعل الأفكار النظرية غير قابلةٍ للتنفيذ.
السؤال البديهي الذي يطرح نفسه بإلحاح، كيف السبيل للخروج من تلك الحلقة المتشابكة وتجاوزها؟ بالطبع ما من داء إلا وله دواء، هناك جملة حلول ممكنة، وعلى المجتمع الذي يعاني من تلك الظاهرة أن يختار أفضل تلك الحلول وأنسبها للعلاج الشامل لها. من هذه السبل الممكنة مثلًا، لا حصرًا، تعزيز وتثبيت ثقافة الحلول، بتشجيع النخب الثقافية وقادة الرأي العام وأصحاب المحتوى على تقديم تصوّراتٍ إيجابيةٍ وحلولٍ عمليةٍ، عوضًا عن الاكتفاء بالنقد فقط. ولتمكين تلك الفئات بالقيام بتلك المهمة (التي ليست سهلة بطبيعة الحال)، فلا بدّ من تأسيس مِنصات تفكير استراتيجية ترفدها مراكز أبحاث فكرية وعلمية متخصصة (تدمج العلم بالخبرة) ودعمها بكل الإمكانات المادية والخبرات النوعية، بحيث تُقدّم توصياتٍ وحلولًا واقعيةً قابلةً للتنفيذ لجني ثمارها. ولا بدّ أيضًا من تفعيل دور النخبة في صناعة القرار، وفي ذات الوقت، إعادة تأهيل إعلام الوعي والتنمية، لينتج محتوى إعلاميًا يعزز الطرح الإيجابي البنّاء بدلًا من الترويج لليأس والظلامية. وتطوير نهج فكري جديد يجعل من النقد أداةً لتقديم حلولٍ واقعيةٍ، وليس فقط عرضًا لمُشكلات لا يتم العمل مُطلقًا على حلها. وكأن واقع الحال يقول: «محلك سر.. والمشكلة تستمر».
خبير اقتصادي