فيلمُ «المقصورة رقْم 6» هو إنتاجٌ مُشتركٌ بين فنلندا وروسيا وألمانيا وإستونيا، ولغة الفيلم الرئيسية هي الروسية مع قليلٍ من الفنلندية، وهو مُقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتبة الفنلندية «روزا ليكسوم».

إنه فيلم دراما رومانسي مؤثر بواقعيته وعفويته، والرومانسية فيه لا نراها بالشكل الهوليوودي المعتاد، وهذا ما يُميّز القصص في الأفلام الأوروبية التي لا تهتم بالمعايير الهوليوودية في مواصفات البطل والبطلة وطريقة السرد والأحداث المتوقعة والنهاية التقليدية الرتيبة.

يبدأ الفيلم مع «لورا»، وهي شابة فنلندية تدرس في موسكو، وتقرّر في لحظةٍ ما الهروب من حياتها وعَلاقة الحب الهالكة، بالسفر عبر القطار إلى مدينة مورمانسك في القطب الشمالي.

تُجبَر «لورا» في رحلتها الطويلة على مُشاركة المقصورة في القطار مع شاب روسي جامح يُدعى «ليوخا». إنها تريد الذَّهاب إلى مورمانسك لرؤية النقوش الصخرية الأثرية التي تدرس عنها في الجامعة، بينما هو يريد الذَّهاب للعمل في أحد المناجم.

ما يبدو في البداية كقصة رومانسية كوميدية مثل الفيلم الكلاسيكي الرائع «It Happened One Night» يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى رحلة بحث عن الذات ومعنى للوجود، فـ «لورا» و»ليوخا» كلاهما من الطبقة الكادحة، لكنّ شخصيتيهما متناقضتان تمامًا، وهذا ما يجعل الفيلم لذيذًا وهو يضعنا معهما في المقصورة رقْم 6.

الفيلم يتوغّل في أعماق الإنسان ومشاعره، وكيف يقع في الحب وكيف يُعبّر عنه بطرقه الغامضة. لقد أبدع الكاتب والمُخرج «يوهو كوسمانن» في صياغة النص السينمائي مع زملائه الكُتّاب، فقد أظهروا واقعيةً مُفرطةً في الكشف عن سلوكيات البشر وطباعهم، خاصةً الطبقة النبيلة التي تضم الفنانين والمُثقفين، وكيف أنهم سطحيون جدًا، من خلال عَلاقة الحب الأولى لـ «لورا»، وإنْ كانت غير مستساغة في البداية، لكن تمّت معالجتها بأسلوبٍ بارعٍ وتبعاتٍ منطقيةٍ وقويةٍ تتكشّف مع توطّد الأحداث.

في مشهدٍ ما تفقد «لورا» كاميرتها الصغيرة التي حفظت فيها كل صورها وذكرياتها وأحلامها في موسكو، وفي تلك اللحظة تحديدًا تستعيد رشدها وتدرك ما لم تكن تدركه، بأن الحياة رحلة وغايتها ليست في الوصول.

لقد استمتعت بمُشاهدة هذا الفيلم، وأبدعت فيه «سايدي هارلا» بشخصية «لورا»، وكذلك «يورا بوريسوف» بشخصية «ليوخا». لقد تمَّ اختيار الفيلم ليُمثّل فنلندا في جوائز الأوسكار عن فئة أفضل فيلم عالمي، وقد تأهّل لقائمة التصفيات المُختصرة، ولكنه لم يترشح في القائمة النهائية، والجدير بالذكر أن الفيلم فاز بجائزة لجنة التحكيم الكُبرى في مِهرجان كان السينمائي بعام 2021.

 

[email protected]

Twitter: @alqassimi88