معركة الاستقرار وبناء الوطن

في خضم التحوّلات الكُبرى التي تعصف بالشرق الأوسط، تبرز سوريا اليوم كنموذج لتحدي الإرث الدموي وبناء مستقبلٍ يتجاوز الانقسامات والطائفية. مع سقوط نظام «جزار دمشق» في ديسمبر الماضي، دخلت البلاد مرحلةً دقيقةً، حيث تسعى الحكومة الانتقالية برئاسة السيد أحمد الشرع إلى تحقيق استقرار طال انتظاره، وسط تحديات أمنية وسياسية مُعقدة.

حرب الأشباح.. مواجهة فلول الماضي

الاشتباكات التي اندلعت في الساحل السوري، خصوصًا في اللاذقية وطرطوس، ليست مجرد اضطرابات أمنية بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة الجديدة على فرض سيادتها. فلول النظام السابق، المُدججون بعقود من الامتيازات والولاء الأعمى، لم يستوعبوا بعد أن التاريخ قد تجاوزهم، وأن سوريا اليوم لم تعد رهينة لطائفة أو زعيم، بل وطن لجميع السوريين.
التعامل مع هؤلاء ليس مجرد معركة عسكرية، بل هي معركة وعي ومشروع وطني. فأي حديث عن «التطهير» و»الثأر» يجب أن يُستبدل بخطاب المواطنة والعدالة. ومع ذلك، لا يمكن التساهل مع من يرفع السلاح ضد الدولة، مهما كانت هُويته أو دوافعه. سوريا الجديدة لا تحتاج إلى تصفية حسابات، بل إلى حسم يُرسي قواعد القانون دون انزلاق إلى دُوامة الانتقام.

إعادة دمج الشمال.. خطوة نحو الوَحدة الوطنية

 

قرار دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة ليس مجرد تحرك إداري، بل خطوة استراتيجية نحو ترميم الجغرافيا السياسية للبلاد. لسنوات، شكلت المناطق الكردية شبه المستقلة معضلة كبرى، بين رغبات الانفصال ومخاوف الجوار. اليوم، يبدو أن القيادة الجديدة تدرك أن الحل لا يكمن في الإقصاء، بل في الاحتواء ضمن دولة قوية وعادلة.
التحدي الأكبر هنا هو تحويل هذا الدمج إلى شراكةٍ حقيقيةٍ، تُطمئن الأكراد وتثبت أن سوريا الجديدة ليست إعادة إنتاج لممارسات الماضي، بل مشروع جامع لكل مكوناتها. الاعتراف الدستوري بالحقوق الكردية دون المساس بوَحدة الدولة، هو المسار الذي يجب ترسيخه، كي لا تتحولَ هذه الخطوة الإيجابية إلى مجرد سردية سياسية مؤقتة.

المستقبل يبدأ الآن !

 

لا شك أن المرحلة الانتقالية ستشهد اضطرابات، فمن الصعب اقتلاع إرث نصف قرن من الديكتاتورية بين ليلة وضحاها. لكن الأهم هو أن هناك رؤية تتشكل، تقودها إرادة سياسية تحاول إعادة تعريف سوريا كدولة مؤسسات لا كإقطاعية حكم. التحدي الآن ليس فقط في هزيمة المُسلحين في اللاذقية أو تفكيك الميليشيات، بل في بناء عقد اجتماعي جديد يجعل كل سوري يشعر أنه جزء من هذا الوطن.
الرأي الأخير: سوريا اليوم تقف بين الماضي والمستقبل. الخِيار واضح، والمضي قُدُمًا يتطلب شجاعة في القيادة، وحكمة في المصالحة، وحزمًا في مواجهة كل من يسعى لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
(المستقبل لمن يبنيه، لا لمن يحنّ إلى ماضيه)
إلى اللقاء في رأي آخر،،،

كاتب شؤون دولية وقانوني قطري

 

Twitter:@NawafAlThani
http://www.NawafAlThani.com
[email protected]