غزةُ الصامدة اليومَ، غزةُ التي تُسطر أروعَ صفحات تاريخ المقاومة والصمود والتحدي في وجه إسرائيل، ومِن ورائها الاستكبار العالمي، غزة التي أيقظت ضميرَ العالم وأحرار العالم من سُبات المدنية الغربية الزائفة، غزة التي حرَّكت كبرى عواصم العالم نحو وعي جديد لامكان فيه لاستغلال الإنسان، وسرقة أحلامه وأرضه واقتلاع تاريخه، لم تكن بعيدة عن وعي الإنسان القطري، كاسْمٍ وكرمزية للمكان وللإنسان العربي الفلسطيني.
أذكر أنني أول مرة سمعت باسم غزة اعتقدت أن الكلام عن غزة فلسطين، كنت في المرحلة الابتدائية، حين أشار بعض الرفقاء للاستعداد لخوض مباراة لكرة القدم مع فريق «غزة» فإذا بها منطقة لايفصلها عن الريان -حيث كنا نسكن- سوى مسافة قصيرة لم تُعمر بعد في حينه.
عندما كنا طلابًا في مدرسة الريان القديم الابتدائية، فوجئنا بإخوة كرام يلتحقون بمدرستنا قادمين من غزة، وهي تجمُّع سكاني لا توجد به مدرسة في حينه، يقع شرق الريان القديم والغرافة، وتفصله أرض قاحلة إلا من بعض الأشجار والأعشاب القليلة التي تسمى اليوم بمنطقة «اللقطة».
أذكر أننا لكي نصل إلى غزة على الدراجات، علينا أن نمر أولًا على الغرافة، ومن محطة البترول القديمة التي كانت قائمة هناك، نسلك طريقًا صغيرًا وخطيرًا من الأسفلت قادمًا من الشمال، حتى نصل إلى غزة، حيث كانت كرة القدم ديدَنُ شباب تلك الأيام ومباريات الفرجان شبه أسبوعية.
سمعت أنَّ أولَ من أطلق عليها هذا الاسم هم أوائل من سَكنها من قبائل وعوائل أهل قطر الكريمة، حيث كانت سكنًا لعدد من هذه العوائل والقبائل
وسمعت كذلك أنَّ من أطلق عليها هذا الاسم أيضًا هو أحد الدبلوماسيين القطريين المُخضرمين. تفاعلًا مع قوميته والشعور العربي العارم مناصرة للقضية الفلسطينية.
ما أودُّ أن أشير إليه أن الوعي العربي القومي في تلك المرحلة كان له انعكاسات مباشرة في حياة الشعب القطري.
ولا أدري إنْ كان اسم غزة تيمنًا باسم غزة فلسطين، أم لسبب آخر؟ وربما أنه كذلك تيمنًا بغزة فلسطين لسيطرة القضية الفلسطينية على ذهن وتفكير المواطن العربي عمومًا، والقطري خصوصًا في تلك المرحلة، إلا أنني على يقين من أن أسماء كالعروبة والوحدة والتحرير والأحرار، التي كانت مسميات لأندية قطرية لكرة القدم، هي من نتاج الفكر القومي الذي كان سائدًا في الذهنية العربية عمومًا آنذاك.
أنشأت الدولةُ فيما بعد مدينة خليفة الشمالية والجنوبية لتتضمن منطقة «غزة» جريًا مع مشروعات الدولة للتحديث، إلا أنَّ من عايشوا تلك الحقبة المُبكرة في وعي الشعب القطري لايزالون يتذكرون وتأتي مع أحاديثهم وذكرياتهم، حيث لاتزال القضية الفلسطينية تحتل مكانتها في ضمير أهل قطر، ولاتزال غزة الصمود نبراسًا يضيء طريق الأمل مهما طالَ واستوحش لذلك لم يكن وقوف قطر -حكومة وشعبًا- غريبًا مع غزة وشعبها الذي يتعرض لإبادة مُمنهجة من قوى الشر العالمي، غزة في قلب الشعب القطري باكرًا، وتسمية قطعة عزيزة من أرض قطر باسمِها دلالة على أصالة وجودها في ضميره، وفي وعي أجياله جيلًا بعد آخر.