فِي تاريخِ الأمة الإسلاميّة، هناك أحداث مفصلية يُخلّدها التاريخ وتبقى في ذاكرة البشرية، لأن ما حدث بعدها يختلف عما قبلها، وكأنها وُلِدت بعد هذا الحدث، وهناك أحداث كثيرة أساسها الخير والشر والحق والباطل، وهذا الصراع أزلي حتى قيام الساعة. ويشاء الخالق سبحانه وتعالى أن يجعل في شهر رمضان، أكبر انتصارات للمسلمين في الحروب التي كانت بينهم وبين أهل الشر والباطل على مر التاريخ، ورغم أنه شهر فيه عبادة بها صبر ومشقة على النفس فإنك تجد فيه نصرًا وفرحةً ودحرًا للباطل، فلو استعرضنا تاريخ هذا الشهر الكريم منذ أن فرض الله صيامه على المُسلمين لوجدنا فيه تجليًا لتلك الأسرار الغيبية والجديرة بالتأمل. لقد ارتبط شهر رمضان بالنصر منذ أول غزوة للمسلمين بقيادة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، وهي غزوة بدر الكُبرى في 17 من شهر رمضان، حينها كان المقياس المادي يميل إلى كفة المشركين والكفار من أهل قريش، فقد كانت النسبة 1: 3، ومع ذلك خرج المُسلمون من المعركة منتصرين ب 14 شهيدًا، مقابل 70 قتيلًا من المشركين ومثلهم من الأسرى، حينها لم يكن الميزان الحقيقي للنصر في كفة صاحب السلاح أو القوة المادية من سلاح وجنود، بل كانت الكفة الراجحة لصاحب المبادئ السامية، الذي يحارب وأتباعه وهم في صبر من عبادة الصوم واحتساب للأجر وتوكل على الله، فهم يحملون تلك الرسالة الراقية التي يريدون إيصالها للبشر كافة ليخلصوهم من العبودية البغيضة إلى عقيدة يتساوى فيها البشر، ليدخلوا في هذا الدين أفواجًا، لقد كانت هذه الغزوة نبراسًا للمسلمين في حروبهم في قرونهم التالية، وهكذا انتصر القائد المُسلم الظاهر بيبرس على التتار، وانتصر القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين، وانتصارات كثيرة غيرها، لأن الميزان مختلف، وكلمة السر في هذا النصر هي قوة الصبر وحُسن التوكل على مُدبّر الأمور سبحانه وتعالى، اللهم إنا نسألك في هذا الشهر الفضيل نصرًا عزيزًا، ليس بعده هزيمة، فيه يرفع أهل الحق، ويهلك فيه الشر وأهله.