قَدْ بَدَا الصُّبْحُ وَانْجَابَتْ دُجَى الخَطَرِ...
دائمًا ما يخشى الاحتلال الإسرائيلي الدول القومية القوية لا سيما الدول العربية لأنه يرى تلك الدول تهديدًا لوجوده الهش، ولهذا يسعى جاهدًا لإضعاف محيطه، ويظهر هذا التصور الأمني للكيان بوضوح في رؤيته لسوريا، وهو لا ولن يفضل أبدًا وجود سوريا قوية ذات سيادة ووحدة أراضٍ وقوة عسكرية حقيقية. وهذا الأمر معروف لكل من يواجه التهديد الإسرائيلي. فمنذ 80 عامًا اتخذت إسرائيل نهجَ إشعال الأزمات من أجل القضاء على أي تهديد لها، حتى أصبحت الفوضى روتينًا وجزءًا من النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
والحقيقة أن ما صرح به السفير الأمريكي لدى أنقرة والمبعوث الخاص لسوريا توم باراك، مفاجأة مثيرة للاهتمام؛ لأنه في حين أن البعض قد ينظر إلى هذه الكلمات على أنها بيان أمريكي يوجه تهديدًا جديدًا لسوريا، إلا أنها تحمل في طياتها انتقادًا لسياسات إسرائيل. فهذه التصريحات تكشف عن الجاني الحقيقي والمسؤول عن الصورة التي وصلت إليها هذه المنطقة التي تبدو للبعض وكأنها مستنقع، وللبعض الآخر تبدو مركزًا فوضويًا، وللباقين مرتعًا للعنف والحرب والإرهاب.
وهذه السردية ليس لها أي مصداقية أو واقع حقيقي مقبول في المنطقة، ومع ذلك، عندما يؤخذ تصريح باراك إلى نظرة أبعد من ذلك قليلًا، فليس من المُبالغة الحديث عن أن جميع التصورات النمطية والخطابات الاستشراقية التي تم التسويق لها حول الشرق الأوسط على وشك الانهيار.
وإذا لم تنتعش المنطقة بتحول ديمقراطي حقيقي في سوريا، فإن إسرائيل هي المسؤولة الرئيسية عن ذلك؛ لأن الأنظمة الديمقراطية هي في نظر إسرائيل أعداء وتهديد. ولهذا فإن إسرائيل الإرهابية التي تستمتع بالإبادة الجماعية ومهاجمة كل من يواجهها كالثور الأهوج، لن تتورع عن مهاجمة الأنظمة الديمقراطية، أي الأنظمة القائمة على إرادة الشعب.
لم يكن لدى إسرائيل أي مشكلة مع نظام الأسد الذي ذبح مليون شخص في سوريا خلال 14 عامًا. وحتى المحاولات الأمريكية للإطاحة بنظام الأسد تم إحباطها بدعوى الحفاظ على الأمن الإسرائيلي. فالقوات الأمريكية التي جاءت وانتشرت في سوريا للإطاحة بالأسد الذي ثبت أنه استخدم الأسلحة الكيماوية، سرعان ما غيرت خططها وبرنامجها وأصبحت دعمًا لكل ما من شأنه أن يثبت أركان حكم الأسد. وكانت هناك خطابات معادية للأسد ظاهريًا، وفرضت عليه عقوبات، ولكن لو أريد إسقاطه حقًّا، فإن الإطاحة به لم تكن تستغرق إلا أيامًا معدودة. وقد اتضح للجميع اليوم أن القدرة على ذلك كانت متوفرة بلا شك. لكن ما أبقاه في مأمن هو أنه كان الخيار الأنسب لمصالح إسرائيل؛ فقد كان يقتل المسلمين، ويسحقهم بالتعذيب الوحشي في سجونه، ويدمر منازل الملايين على رؤوسهم، ويشرد الناجين منهم خارج وطنهم. لقد ارتكب جرائم ضد الإنسانية، وكان بإمكان أمريكا إيقافه، لكنها اكتفت بمقعد المتفرج، فقط من أجل ضمان أمن إسرائيل.
اليوم ما زالت إسرائيل منزعجة مما يحدث بعد الإطاحة بالأسد على يد أبناء الشعب السوري. رغم أن إدارة الشرع لم تصدر أبدًا أي تصريح أو نية لاستهداف إسرائيل أو أي دولة أخرى في المنطقة. لقد أعلنت للعالم بأسره أنها لن تركز على الحرب، بل على استعادة بلدها، وضمان عودة آمنة لمواطنيها الذين اضطروا إلى الهجرة من وطنهم، وإعادة بناء بلدهم. ومع ذلك، ترى إسرائيل في الحكومة السورية الجديدة تهديدًا لنفسها، وتبذل قصارى جهدها للقضاء على هذا التهديد قبل أن يتصاعد. وفي هذا المسار تستخدم تفوقها غير المتكافئ في القوة في عدوان أحادي الجانب بشكل غير عادل وبطريقة تسبب دمارًا كبيرًا.
وإسرائيل بهذا ترسم خريطة نهايتها بنفسها؛ حيث إن تدخلاتها في سوريا ستحملها مسؤولية جميع الجرائم التي ارتكبها الأسد، وستتم محاسبتها على ذلك. كما أن تحركها الأخير في سوريا، أدى إلى استنفار العشائر العربية، فتوجهت نحو محافظة السويداء، وهذه المسيرة وقود صحوة الأمة. وينبغي لإسرائيل وعملائها أن يقلقوا بشأن ما قد سيحدث. فالعجرفة الإسرائيلية التي تقتل المسلمين في غزة، وتُمعن في إذلالهم وإهانتهم في كل خطوة، هي وداعموها عديمو المسؤولية، في تجاهل تام لمشاعر البشرية بأسرها، لا سيما مشاعر المسلمين، قد أيقظت بنفسها ما تحاول تغييبه.
وهذا الزحف نحو السويداء الناتج عن التجاوزات الإسرائيلية، قد لا يحتاج إلا إلى تغيير بسيط في الاتجاه كي يتحول من السويداء إلى القدس وغزة. فقد أرادت إسرائيل فتح ممر «داوود» من السويداء إلى شرق الفرات وشمال سوريا، متذرعة بحماية الدروز، ولكن يبدو أن المعطيات تغيرت الآن، وأضحى احتمال أن يفتح الزحف إلى السويداء ممرًا من هناك إلى القدس. تجري الرياح كما تجري سفينتنا نحن الرياح ونحن البحر والسفن.
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي