الهجُومُ الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة لا يمكن اعتباره مجرد فصل جديد في حرب غزة، إنه تطور نوعي يوسع ساحة الصراع ليشمل الخليج العربي، بكل ما يحمله من ثقل جيوسياسي وحساسية في معادلات الطاقة والأمن. إسرائيل تجاوزت هنا خطوطًا لم تقترب منها من قبل، مستهدفة حليفًا للولايات المتحدة ووسيطًا رئيسيًا في مسار المفاوضات بين حماس وإسرائيل.
رد فعل قطر كان سريعًا وحازمًا، إذ لم تكتف بالإدانة، وإنما حرصت على طلب انعقاد مجلس الأمن الدولي، في خطوة تؤكد أن الدوحة تسعى لتدويل القضية وتثبيت حقوقها السيادية في مواجهة انتهاك فاضح للقانون الدولي، هذه الحركة الدبلوماسية تظهر أن قطر تعي جيدًا أن الصراع لم يعد محصورًا بحدود غزة، وأن استهدافها كدولة يستدعي تفعيل أدوات الشرعية الدولية لردع إسرائيل أو على الأقل فضح سلوكياتها المستهترة.
المعادلة الإقليمية تبدو اليوم أكثر هشاشة، فالإمارات وصفت الضربة بأنها «سافرة وجبانة ومتهورة» وأعلنت تضامنها الكامل مع قطر، وذلك في زيارة سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة أمس إلى قطر، لترسل رسالة ضمنية إلى إسرائيل بأن مستقبل هذه التفاهمات قد يكون على المحك إذا ما واصلت إسرائيل سياسة توسيع الصراع بلا حساب.
ومن زاوية العلاقات الدولية فيمكن قراءة المشهد في ثلاثة مستويات، فأمنيًا: تعكس الضربة عقلية إسرائيلية تتبنى توسيع دائرة الاشتباك حتى خارج حدود فلسطين، والتصعيد الصريح والسير نحو تحقيق أهدافها الإجرامية البعيدة عن السلام والتهدئة، ما يرفع منسوب التوتر الإقليمي. أما دبلوماسيًا: فقطر عبر تحركها في مجلس الأمن تعيد تعريف دورها كوسيط، وكمدافع عن سيادة الخليج.
برأيي، ضربة الدوحة ليست حادثة عابرة، وإنما منعطف سيعيد رسم معادلات التوازن في المنطقة. التحدي الآن أمام قطر هو كيف تحول هذا الاعتداء إلى فرصة لتعزيز موقعها كفاعل إقليمي لا غنى عنه رغم أنف إسرائيل. فالمطالبة عبر مجلس الأمن يجب أن تترافق مع حشد موقف خليجي - عربي موحد يعيد التأكيد على قدسية السيادة الوطنية. كما أن قطر قادرة على استثمار هذا الاعتداء لتثبيت دورها كوسيط دولي محايد وشرعي كما أكد معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية في نهاية المؤتمر الصحفي الذي عقد أمس الأول، وليس في ملف غزة فقط، فهناك أزمات أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي. إن تحويل لحظة الاعتداء إلى منصة لتعزيز الحضور الدبلوماسي القطري سيكون أبلغ رد على محاولات تقويض دورها، وسيؤسس لمعادلة جديدة تلزم القوى الكبرى بمراعاة مصالح الخليج لا تجاوزها.
دمتم بود