شكَّل الاعتداء الذي تعرّضت له الدوحة، أول أمس، عبر قصف مواقع مدنيّة تضم قيادات فلسطينيّة تُناقش المُقترح الأمريكي المُتعلق بمِلف الأسرى ووقف الحرب في غزة، لحظةً فارقةً لا يمكن التعامل معها كحادث عابر. إنه اعتداء على دولة ذات سيادة وعضو فاعل في الأمم المُتحدة، وعلى وسيط موثوق اضطلع بدور محوري في حل النزاعات الإقليميّة والدوليّة، ولا سيما في القضية الفلسطينيّة.
إن خطورة ما جرى تتجاوز البُعد المحلي أو الإقليمي، فهو يُمثل تقويضًا لما تبقى من نظام دولي مُهترئ أساسًا، وإضعافًا لما تبقى من شرعيّة للقانون الدولي. فحين يُستباح بلد بمكانة قطر، الذي يتمتع بمكانة سياسية واقتصادية عالمية وعَلاقات مُتوازنة مع مُختلِف القوى الكُبرى، فإن ذلك يفتح البابَ واسعًا أمام انهيار قواعد النظام الدولي بأسره.
ومع انهيار القانون الدولي، يتهدد العالم بانهيار منظومات التجارة العالمية، والنظام المالي والنقدي، بل وكافة المؤسسات الحاكمة التي تنظّم العَلاقات بين الدول. الأخطر من ذلك، أن مثل هذه التطوّرات تدفع بقوة نحو أرضية حرب قطبية جديدة قد تشمل مناطق واسعة من العالم. الأرضية مُهيأة فعلًا في أكثر من جبهة: من روسيا وأوكرانيا وامتداداتها شمال أوروبا، مرورًا بآسيا حيث تتبلور تحالفات صينية ـ روسية ـ إيرانية ـ هندية ـ باكستانية ـ برازيلية، وصولًا إلى الشرق الأوسط الذي يقف في قلب العاصفة، حيث لا يمكن لدول مثل مصر أو الأردن أو لبنان أو العراق أو سوريا أن تبقى بمعزلٍ عن التداعيات.
قطر، بما تملكه من وزن سياسي واقتصادي عالمي مرموق، وبما نسجته من شبكة عَلاقات مُتوازنة تشمل الولايات المُتحدة والعالم بأسره، ستتعامل مع هذا الاعتداء بما يليق بخطورته، وبما ينسجم مع مسؤوليتها الإقليميّة والدوليّة.
وهنا، يصبح من واجب المجموعة العربيّة أن ترتقي إلى مستوى التحدي، وأن تتحمّل استحقاقاتها التاريخيّة تجاه ما يجري على كل الساحات. كما أن على قادة العالم وشعوبه أن يتداركوا الأمر، وأن يضعوا حدًا لهذا المسار الانحداري الخطير قبل أن يجرّ العالم إلى فوضى شاملة لا تُحمَد عقباها. أخيرًا، صحيح أن الإبادة والقتل والتجويع في غزة، ولكن ألم ذلك وبُعده الإنساني يمتدّ فعليًا ليصل كل الإنسانية على وجه الكوكب.