الدوحة- عاطف الجبالي:
لم تكنْ جولةُ جريدة الراية الحصرية داخل حديقة «أورتشارد» في مطارِ حمد الدولي مجرد زيارة ميدانية إلى أحد أكثر معالم المطار جذبًا للمسافرين، بل كانت رحلة إلى عالمٍ مدهش يوازن بدقة بين التكنولوجيا والطبيعة والفن، ليعيد تعريف مفهوم السفر في وقت أصبحت فيه المطارات أشبه بمدن مصغّرة لا تتوقف عن الحركة.
وبينما يتسابق العالم لتقديم خدمات أسرع وأكثر ذكاءً، يبدو أن مطار حمد الدولي اختار إضافة بُعدٍ جديدٍ لرحلة المسافر: بُعد إنساني ورُوحي يعيد إليه هدوءه وسط عالم السفر المتسارع.
ومنذ اللحظة الأولى داخل حديقة «أورتشارد»، تشعر بأنك على أعتاب تجربة لا تشبه غيرها داخل مطار آخر في العالم. كان الضوء الطبيعي يتسلل من سقف زجاجي بارتفاع شاهق، ليعكس على المساحات الخضراء ظلالًا تشبه تلك التي نجدها في الغابات الاستوائية. وبعيدًا عن ضجيج الرحلات الذي يخفت تدريجيًا كلما تقدمنا خطوة نحو حديقة «أورتشارد»، كان الشعور العام أن هذا المكان صُمم ليكون لحظة توقف من الزمن.
تبدو الحديقة، الممتدة على ستة آلاف متر مربع، كأنها عالم مستقل بذاته داخل مطار حمد الدولي؛ عالم يضم نباتات استوائية جاءت من غابات بعيدة، ونظامًا بيئيًا متكاملًا يحاكي الطبيعة الحية، ومساحات مائية تتوسط المشهد كنبض مستمر.
ومن بين الأشجار التي يزيد عددها على 300 شجرة، والنباتات التي تتجاوز 25 ألف نبتة وشجيرة، يمكن للزائر ملاحظة تنوع فريد يشمل ما يقارب 30 نوعًا من الأشجار و90 نوعًا من النباتات، جُمعت جميعها من بيئات استوائية حول العالم بضوابط دقيقة تحافظ على استدامتها داخل بيئة مغلقة.
إنجاز هندسي وبيئي
وأثناء جولتنا، توقّف الفريق المشرف عند واحدة من أعلى الأشجار التي يصل ارتفاعها إلى 16 مترًا، مشيرين إلى أنّ وجود هذه الأشجار داخل مبنى مطار ليس مجرد عنصر ديكوري، بل هو إنجاز هندسي وبيئي تطلب تخطيطًا دقيقًا لتوفير الإضاءة والتهوية والري بالقدر الكافي لتستمر في النمو لسنوات طويلة.
واللافت أن جزءًا كبيرًا من النباتات جرى إكثارها داخل مشاتل مطار حمد الدولي نفسه، ما يعكس قدرة المطار ليس فقط على الحفاظ على النباتات، بل تجديدها وخلق دورة حياة مستدامة داخل المساحة.
ولم يكن المشهد البصري وحده ما يلفت الانتباه؛ فالهدوء المتناغم الذي تصنعه المساحة المائية التي تمتد على 575 مترًا مربعًا يضيف عنصرًا فريدًا إلى التجربة.
صوت الماء المنساب في البركة البيولوجية، التي بدأت بنباتات مائية بسيطة ثم تحولت إلى موطن مزدهر لزهور اللوتس وزنبق الماء، يمنح الزائر إحساسًا بأنه في قلب غابة طبيعية أكثر منه داخل واحد من أضخم مطارات العالم.
ويؤكد المشرفون أن الحديقة شهدت خلال العامين الماضيين ازدهارًا طبيعيًا متكررًا، بما في ذلك ظهور أنواع جديدة من الأوركيد، ما جعل التجربة البصرية للحديقة متجددة باستمرار.
أنظمة ذكية
ومع تعمّق جولتنا، برزت أمامنا ملامح التكنولوجيا التي تدعم هذا النظام البيئي المعقد. فالحفاظ على بيئة استوائية داخل مبنى يحتاج إلى أنظمة ذكية عالية الدقّة، وهو ما يظهر في نظام الري الذكي المستخدم في «أورتشارد»، والذي يعتمد على حساسات متطورة لقياس رطوبة التربة ودرجة الحرارة والضوء بشكل لحظي. هذا النظام لا يضمن صحة النباتات فحسب، بل يقلل من استهلاك المياه والطاقة، إذ تتم عملية الري بكميات دقيقة وَفق احتياج كل نوع نباتي.
ولتعزيز الإحساس بالرطوبة التي تحتاجها النباتات الاستوائية، تنتشر داخل الحديقة أكثر من 350 موزع ضباب تعمل على خلق طبقة رطبة في الهواء تحاكي أجواء الغابات المطيرة. وحتى المياه التي تُستخدم في الري لا تُهدر؛ إذ يتم جمع الفائض ومعالجته وإعادة استخدامه لري المساحات الخارجية، في خطوة تتماشى مع أهداف الاستدامة التي يلتزم بها مطار حمد الدولي ورؤية قطر الوطنية 2030.
نموذج للاستدامة
هذه الجهود المتكاملة جعلت «أورتشارد» نموذجًا عمليًا للاستدامة، وأسهمت في حصول المطار على شهادة LEED الذهبية عن الكونكورس المركزي الذي يحتضن الحديقة، إلى جانب حصول مرافق جديدة- من بينها «أورتشارد»- على تصنيف أربع نجوم في نظام التقييم العالمي للاستدامة (GORD-GAS) عام 2024.
وجهة للمسافرين
ومع اقتراب نهاية جولتنا، بدا واضحًا أن «أورتشارد» ليست مجرد مشروع معماري أو حديقة داخلية، بل رؤية متكاملة تعكس كيف يمكن للمكان أن يغير معنى السفر نفسه. فهي مساحة تمنح المسافر فرصة للعودة إلى ذاته وسط الزحام، وتقدم صورة جديدة للمطار الحديث القادر على دمج الطبيعة والفن والتكنولوجيا في تجربة واحدة. كما أنها قصة نجاح بيئية وفنية وهندسية تجعل من مطار حمد الدولي وجهة في حد ذاته، لا مجرد محطة عبور.
لقد خرجت الراية من هذه الجولة الحصرية بانطباع راسخ، أن «أورتشارد» ليست مجرد حديقة.. إنها فلسفة سفر جديدة، تقول للمسافر: إن رحلته يمكن أن تبدأ بالهدوء والجمال، قبل أن تبدأ بالطائرة.
«عجائب الحياة البرية».. تحفة فنيــــة
لكن المشهد الأكثر إثارةً جاء عند اقترابنا من مجموعة الأعمال الفنية التي تحملُ عنوان «عجائب الحياة البرية»، والتي اختيرت «أورتشارد» لتكون موقعها الرئيسي داخل مطار حمد الدولي. هذه المجموعة، التي أبدعها الفنانان العالميان جيلي ومارك، تضم أعمالًا تفاعلية مصممة لرفع الوعي بالحياة البرية والحيوانات المهددة بالانقراض. وما يلفت الانتباه هو دمج الفنانين بين الحيوانات المهددة بالانقراض وتلك المحلية من البيئة القطرية، في رسالة ثقافية وبيئية تتجاوز حدود الفن التقليدي.
وتتصدر المجموعة منحوتة «مائدة المودة»، وهو عمل ضخم يبلغ طوله 10.5 متر ومصنوع من ستة أطنان من البرونز، يُظهر حيوانات من بيئات مختلفة تتحلق حول وليمة رمزية تجسد التعاون والتعايش. وإلى جانبها تظهر منحوتة «رحلة برية» التي تمتد لعشرة أمتار، ومجموعة «الصقر والقفاز» التي تحتفي بتراث الصقارة في قطر، وتجمع بين الفن والتراث البيئي بطريقة تؤثر بصريًا ووجدانيًا في الزائر.
شريط رقمي يمتد بطول 1.2 كيلومتر
ومع تحرُّكنا نحوَ الأطراف العُليا للحديقة، ظهر لنا شريط رقْمي ضخم يمتد على طول 1.2 كيلومتر بدقة عرض مذهلة تصل إلى 169 مليون بيكسل. هذه الشاشة العملاقة ليست مجرد عنصر فني، بل نافذة بصرية تتغير محتوياتها كل ساعة، في تجانس مثالي مع الطبيعة الحية داخل الحديقة. وقد صُممت هذه الأعمال بالتعاون مع Moment Factory العالمية، لتمنح الزائر إحساسًا بأن الحديقة تتغير وتتطور أمامه في كل زيارة.
توفر تجارب استثنائية للمسافرين
«أورتشارد» تتزين بأرقى المتاجر والمطاعم العالمية
وسطَ هذا المشهد البيئي الاستثنائي الذي تنفردُ به حديقةُ «أورتشارد»، تتكشفُ أمامَ الزائر تجرِبة أخرى لا تقل إدهاشًا عن البيئة الطبيعية التي تحتضنُها الحديقة؛ والتي تتمثلُ في تجرِبة للتسوّق وتناول الطعام رفيعة المستوى تُعيد رسم ملامح مفهوم السفر داخل المطارات.
ومن قلب هذه الحديقة الطبيعية التي تتمتع بإضاءة الطبيعية، يتوزّع أكثر من 65 متجرًا ومطعمًا تجمع بين الفخامة والابتكار والمذاقات العالمية، لتقدّم للمسافر تجربة متكاملة ترتقي إلى مستوى أبرز وجهات السياحة والتسوّق حول العالم.
علامات راقية
وتستعرضُ «أورتشارد» مجموعةً من أبرز العَلامات العالمية الراقية التي تتصدر المشهد، مثل: لويس فويتون، ديور، غوتشي، لورو بيانا، بوتيغا فينيتا، وفندي الذي يُقدّم متجرًا مكوّنًا من طابقين، إضافة إلى TimeVallée، وغيرها من علامات الأزياء والمجوهرات والجمال ونمط الحياة، ما يجعل المِنطقة أقرب إلى شارع فاخر عالمي داخل مطار.
ولم تكتفِ «أورتشارد» بتقديم متاجر فاخرة فحسب، بل حرصت على تطوير تجارب مبتكرة تضيف بعدًا جديدًا لرحلة المسافر، وفي مقدمتها: صالة لويس فويتون بالتعاون مع الشيف العالمي يانيك ألينو، وهي أوَّل صالة للعلامة في مطار عالمي. تقع الصالة مباشرة فوق متجر لويس فويتون، مقدّمة مفهومًا فريدًا يجمع بين الفخامة والضيافة الراقية في مساحة تعلو قلب الحديقة. منتجع ديور الفاخر للتجميل (Dior Luxury Beauty Retreat)، وهو منتجع مكوّن من طابقين يضم أكبر سبا ديور في العالم، والوحيد الذي يشمل صالون حلاقة، ليقدّم للزوار تجربة تجميل واسترخاء استثنائية بين الرحلات.
مذاقات عالمية
وتعزز الحديقة حضورها من خلال مجموعة واسعة من خيارات المطاعم الممتدة عبر ساحتَي طعام عالميتَين، إضافة إلى ممشى مطاعم في المستوى السفلي بإطلالة مباشرة على الحدائق المورقة.
وتضم “أورتشارد” مزيجًا من أشهر المطاعم العالمية والمحلية، من بينها: غوردون رامزي برغر، غوردون رامزي ستريت بيتزا، واغاماما، إيت غريك، تشاكوليت، فلات وايت (علامة قطرية محلية)، إلى جانب فندي كافيه- الأول من نوعه داخل مطار عالمي- ليضيف لمسة ترفيهية راقية في قلب المطار.
وجهات جديدة
وحول منطقة “أورتشارد”، تتوسع خيارات التسوّق والترفيه مع افتتاح مجموعة جديدة من المتاجر والمفاهيم المبتكرة، أبرزها:
بوب مارت (POP MART): أول متجر للعلامة في الشرق الأوسط، يقع في العقدة الشمالية قرب البوابة C18، ويعرض مجسمات عصرية ومنتجات هواة جمع القطع وثقافة البوب، ليجذب فئة الشباب والمسافرين الباحثين عن منتجات فريدة.
لانكوم كافيه دو لا روز (Lancôme Café de la Rose): تجربة هجينة تجمع بين الجمال وفنون الطهو والإبداع الفرنسي، لتقدّم للضيوف مستوًى جديدًا من الفخامة الحسية داخل قلب المطار.
كما تضم المنطقة أيضًا سوق المطار في العقدة الشمالية، وهي مساحة مستوحاة من الطراز التقليدي للأسواق القطرية، تُقدّم منتجات محلية وهدايا ثقافية وتذكارات، إضافة إلى مفهومين للمأكولات والمشروبات، ما يجعلها محطة مثالية للزوَّار الباحثين عن لمسة قطرية أصيلة قبل المغادرة.
التي تمنحها مؤسسة سكاي تراكس العالمية
مطار حمد مرشح لجائزة الأفضل في العالم
أعلنَ مطار حمد الدولي ترشحه رسميًا لجائزة أفضل مطار في العالم لعام 2026، التي تمنحُها مؤسسةُ سكاي تراكس العالمية المتخصصة في تقييم أداء المطارات العالمية، حيث فُتح باب التصويت أمام ملايين المسافرين حول العالم لاختيار المطار الأفضل، في منافسةٍ تضم نُخَبةً من أبرز مطارات العالم.
ويأتي هذا الترشح استمرارًا لمسيرة نجاح حافلة بالإنجازات التي حققها مطار حمد الدولي، حيث حاز المطار جائزة أفضل مطار في العالم المرموقة من سكاي تراكس 3 مرات في أعوام: 2021 و2022 و2024.
كما احتفظ بلقب أفضل مطار في الشرق الأوسط للعام الحادي عشر على التوالي، إضافةً إلى جائزة أفضل مطار للتسوق عالميًا للعام الثالث.
ويدعم ترشُّحَ مطار حمد الدولي الخِدماتُ المتكاملة وتجربة السفر الاستثنائية التي يقدمها للمسافرين، حيث يوفر خيارات سفر لأكثر من 197 وجهةً حول العالم، ويضم أكثر من 200 متجر ومطعم عالمي، إلى جانب 18 صالة فاخرة مصممة لتلبية مختلف احتياجات وأذواق المسافرين من جميع أنحاء العالم.
ويتميز المطار بمرافق فريدة من نوعها، حيث يمنح المسافرين بعدًا ثقافيًا فريدًا من خلال أكثر من 40 عملًا فنيًا دائمًا موزعًا داخل المطار، ليبدو كمتحف حيّ يعكس رُوح الفن والإبداع.
وحقق مطار حمد الدولي أداءً استثنائيًا خلال الربع الثالث من عام 2025، إذ استقبل 14 مليونًا و300 ألف مسافر بنمو سنوي بلغت نسبتُه 4.3%، وهو أفضل أداء رُبع سنوي منذ افتتاح المطار.
وسجل شهر أغسطس رقمًا قياسيًا غير مسبوق باستقباله أكثر من 5 ملايين مسافر، ليصبح أكثر الشهور ازدحامًا في تاريخ المطار.
ويمكن للمسافرين وعشَّاق السفر حول العالم التصويت لمطار حمد الدولي عبر الموقع الإلكتروني الرسمي لجوائز سكاي تراكس، حيث تعتمد المنظمة في تصنيفاتها على استطلاعات رأي ملايين المسافرين لتحديد أفضل الوجهات الجوية.
هذا، وقد واصلَ مطارُ حمد الدولي تعزيز مكانته الرائدة كأحد أفضل مطارات العالم، وذلك خلال حفل توزيع جوائز سكاي تراكس العالمية للمطارات 2025 الذي أُقيم بالعاصمة الإسبانية مدريد، حيث احتفظ بلقب «أفضل مطار في الشرق الأوسط» للعام الحادي عشر على التوالي، فيما حصد جائزة «أفضل مطار للتسوق» عالميًا للعام الثالث على التوالي. وبالإضافة إلى ذلك، نال مطار حمد الدولي تصنيف الخمس نجوم ضمن جوائز سكاي تراكس المرموقة.