الدوحة – أشرف مصطفى:
يَرَى الفنان والمخرج المسرحي فهد الباكر أن إدراكه الأول لرمضان بدأ دينيًا قبل أن يتشكل ثقافيًا، مؤكدًا أن تجربة الجوع والعطش كانت المدخل الحقيقي لفهم معنى الصيام، قبل أن يتحول الشهر مع الوقت إلى مساحة وعي اجتماعي وثقافي أسهمت في تشكيل شخصيته الفنية.
ويؤكد الباكر أن رمضان في زمن الطفولة كان حالة جماعية متكاملة، تصنعها الأسرة والحارة والمجالس والمدرسة، بينما تغيّرت اليوم طبيعة التلقي الثقافي بفعل التحول الرقمي، وهو ما انعكس بدوره على الوعي العام والحركة الفنية.
• كيف تتذكر أول رمضان وعيتَه إدراكًا ثقافيًا؟
- قبل الإدراك الثقافي كان هناك إدراك ديني خالص، أول مرة تشعر فيها بالجوع والعطش، تدرك معنى الصيام فعليًا، لا لفظًا فقط، الامتناع عن الطعام والشراب يبطئ إيقاع الحياة، يجعلك تترقب لحظة الإفطار وكأن الزمن كله متعلق بعقارب الساعة. مع الوقت يتجاوز المعنى فكرة الامتناع، لتفهم قيمة الصبر، وقيمة الصدقة، تبدأ تشعر بالقرب من الله، وتكتشف أن رمضان تجربة روحية عميقة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل.
ثقافيًا، تشكل وعينا من خلال التلفاز، والمسرح المدرسي، والإذاعة، وحديث المعلمين عن فضل الشهر. الأسرة الكبيرة، وجود الجد والجدة، الحارة المفتوحة، المجالس، القرنقعوه، كلها كانت تصنع وعيًا جماعيًا متكاملًا، لأن وسائل الترفيه كانت محدودة، والناس أقرب إلى بعضهم.
• هل يمنحك رمضان فرصة للمراجعة الفكرية؟ هل هو شهر إعادة قراءة الذات؟
- رمضان فرصة حقيقية لمراجعة الذات، في الأيام العادية نركض خلف العمل والالتزامات، أما في رمضان فتتباطأ الحياة، وتبدأ رحلة داخلية، هو شهر تضع فيه برنامجًا لنفسك، تعيد ترتيب أولوياتك، وتراجع أخطاءك وعلاقتك بالله وبالناس. أشعر أن رمضان يوقظ الإنسان من الداخل، يجعله يشتغل على ذاته.
• حدثنا عن أبرز إبداعاتك التي حققت حضورًا في رمضان؟
- بدأت رحلتي من المسرح المدرسي، ثم التحقت عام 1988 بالفرقة الشعبية للتمثيل، التي أصبحت لاحقًا فرقة قطر المسرحية، هناك تشكل وعيي الفني عبر الاحتكاك بجيل الرواد، الذين منحونا فرصًا حقيقية للتعلم والتجربة.
قدمت أول بطولة مسرحية في سن الرابعة عشرة، ثم شاركت في مهرجانات عربية مبكرًا، منها مهرجان القاهرة التجريبي. لاحقًا انطلقت في التلفزيون من خلال أعمال مع عدد من الأسماء البارزة، وشاركت في أعمال شكلت مرحلة مهمة في مسيرتي، وأعتقد أن سر قوة تلك المرحلة كان في بساطة الفكرة وصدقها، إذ كانت الأعمال تناقش قضايا المجتمع مباشرة، بلا مبالغة أو تهويل.
• كيف ترى واقع الدراما الرمضانية اليوم مقارنة بالأمس؟
- الحركة الفنية تعيش تراجعًا واضحًا على مستوى المسرح والإذاعة والتلفزيون. المشكلة ليست في غياب المواهب، بل في غياب الرؤية، كما أن الأمر يحتاج للدعم.. في السابق كانت الأعمال تمس الواقع مباشرة، أما اليوم فكثير من الأطروحات بعيدة عن هموم المجتمع، والمطلوب هو نصوص صادقة تعكس حاضرنا، وتُناقش قضايا الناس بوعي ومسؤولية.
• هل أسهمت المجالس الرمضانية في تشكيل وعيك الثقافي؟
- المجالس القديمة كانت مدارس حقيقية، نتعلم فيها آداب الحديث، والاستماع، واحترام الكبار، النقاشات كانت اجتماعية ودينية وثقافية، وفيها قدر من الألفة والحميمية. اليوم تغير شكل المجلس، وأصبح الحضور لا يعني المشاركة الفعلية، بسبب الانشغال بالهواتف. المجلس سابقًا كان مساحة نضج مبكر، يتعلم فيها الشاب كيف يفكر ويتحاور.
• هل يعيش جيل اليوم رمضان ثقافيًا كما عاشته الأجيال السابقة؟
- الجيل الحالي نشأ في بيئة رقمية، والمعلومة متاحة بضغطة زر، لكن المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل في الاكتفاء بالمعلومة السريعة دون بحث أو قراءة عميقة.. نحن كنا نبحث عن الكتب، ونقرأ الصحف كاملة، ونجتهد في تحصيل المعرفة، اليوم هناك سرعة في التلقي، لكنها أحيانًا تأتي على حساب الفهم المتعمق، ولا شك أن الثقافة تحتاج جهدًا وصبرًا، والفنان تحديدًا يحتاج قراءة مستمرة في مختلف المجالات.