ديوانُ العَرب، وكِتابُ أيّامهم، ومُستودَعُ عُقُولهم، وسِرُّ بَيانِهم، وصورةُ مروءَتهم، وحافِظُ تاريخهم، وناشِرُ لغتهم، وطريقُ رِفْعتِهم، به تمَيّزوا على الأقوام الآخرين، وبه عُرِفُوا، وببيانِه سادُوا، ويَكْفِيه فخرًا أنّ القرآن نَزَل فيما نَزلَ ليتحدّاه، لأنّ العربَ كادتْ تتألّه به.
لولا الشّعر لَضَاع كثيرٌ من اللغة، ولاندثر كثيرٌ من المفاخر. وقفَ به حسّان امتِثالًا لقولة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اهجُهم ورُوح القدس معك»، فكانَ وحيًا مُؤيًّدا به، ذبّ عن الإسلام بالحَرْف، كما ذُبَّ عنه بالسّيف، وكأنّ الحرفَ والسّيف ضفّتان، لا يُمكن لأحدهما أنْ يقوم بنفسِه، فلولا الحرف لَمَا عُرِفَتْ فضائلُ السّيف، ولولا السّيف لَمَا خُطَّ الحرفُ.
الشّعر كلمةٌ مُوجزة، وحِكمة بالِغة، وعبارة مُكثّفة، تصل بالبيت الواحد منه إلى ما لا تصل إليه الصّفحات الطّوال، والخُطب المُدبّجة، وينقلُ لكَ في بضع كلماتٍ خبرةَ أعمارٍ بأكملها، وأجيالٍ بأتمّها. بل ويفعل ذلك في أقلّ منه؛ أليسَ في: «وما الخوفُ إلاّ ما تخوّفه الفتى». و«مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائد»، «وبِضِدّها تتبيّنُ الأشياءُ». و«أنا الغريقُ فما خَوْفي مِنَ البَلَلِ»، و«الدُّنيا لِمَن غَلَبا»، «ولا وُدٌّ بلا سَبَبٍ»، «وَمِنَ السُّرور بُكاءُ»، وغيرها من أنصافِ الأبيات الّتي تختبئ خلفَها بِحارٌ من المعاني؟ وهي لِشاعرٍ واحدٍ، وهي أقلّ مِمّا له، فكيفَ مِمّا للآخرين من هؤلاء الشّعراء الّذين كثّفوا هذه التّجارب الحياتيّة، وقَطَّروها في أقلّ من نصفِ سطر؟!
والشِّعرُ مع خَيالِه واقع، ومَعَ تصاويره ملموس، يُعيد ترتيب الفوضى في الحياة، ويطرحُ بديلًا لكلّ مُعضِلة، ويقفُ وراءَ كلّ حقيقةٍ غامضة، ويدفع باتّجاه الإقدام لا الإحجام، والفضيلة لا الرّذيلة، والنّصر لا الهزيمة.
والشّعر يَرفَعُ ويَضَعُ إذا كان رسوليًّا رِساليًّا، رفعَ بني أنفِ النّاقة: «وَمَنْ يُساوي بأنفِ النّاقة الذّنَبَا»، وَوَضَعَ بني نُمير: «فَغُضَّ الطّرْف». ويبلغ من التأثير أنْ يُوقِدَ حربًا، كما هي قولةُ جسّاس: «فإنّي قد جنيتُ عليكَ حربًا». أو يعقد صلحًا؛ كما هي قولة زُهير: «تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا». أو يُصنع مُصِيبة، وما فتكَ بالبرامكة في الواقعة التّاريخيّة على بعضِ الرّوايات إلاّ نصفُ بيتٍ لعمر بن أبي ربيعة: «إنّما العاجِزُ مَنْ لا يَسْتَبِدّ».
والشّعرُ مُرافعةٌ في محكمة، إمّا أنْ تقوم للنّاس من بعدها قائمة أو تحلّ كارثةٌ قريبًا من دارهم، كسبَ بها الحارثُ بن حِلّزةَ حياتَه وحياة قومه في قوله: «ولا ينفعُ الخَلِيّ الخَلاءُ».
والشّعر - الجاهليّ منه على وجه الخصوص - بوّابة لِفَهم القرآن، فإنّما جاء القرآن على سَنَنِ العربيّة الّذي جاء عليه الشّعر الجاهليّ، فكيفَ نفهم الإضمار في قوله تعالى: «حتّى توارَتْ بالحجاب» ما لم نفهمه في قولة لبيد بن ربيعة: «حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا»، وقولة عمرو بن كلثوم: «نَصَبْنَا مِثْلَ رَهْوَةَ ذَاتَ حَدٍّ».
والشّعر ما أشعرك، فهل ظلّ منه اليوم شيء؟!
AymanOtoom@