هناك من المطبوعات النادرة مثل كتاب «قضايا الفكر في الأدب المعاصر» لوديع فلسطين، وهي نسخة نادرة مهداة إلى الكاتب أنور الجندي عام 1960، اطلعت عليها أثناء زيارتي للصديق شبيب بن محمد العطية في مجلسه، فضلًا عن نماذج من نوادر رسائل المؤلِّفين. لم أكُن أتخيَّل أن ألتقي حكايات ورسائل وديع فلسطين في الخريطيات في الدوحة.
لاحظت شغف الأستاذ شبيب بجمع الرسائل ونوادر الكتب والمخطوطات. ودخلت المجلس وأنا مولع بالكتب المنشورة وخرجت وأنا مولع بخطوط العلماء وفك طلاسمها والرسائل غير المنشورة، فقد تكحّلت عيني برؤية خطوط مثقفين وأدباء كأحمد أمين وطه حسين، والمترجمين عبد العزيز توفيق جاويد ومحمد بدران، وغيرهم. وقد يكون مدخلُه إلى عوالمهم رسالةً عثر عليها قدَرًا وعاش معها متجليًا وهو يفكِّر في أحوال صاحبها الحياتية، مثلما حدث له مع عبدالرحمن شكري وعبد الحميد العبادي.
وعطفًا على سيرة وديع فلسطين، ففي أهل الكتب وفاء ونُبل، فقد صدر كتاب لوديع فلسطين بعنوان «السوانح» يضم مقالاته المبكرة، وقد جمعها الأديب السعودي محمد بن سعود الحمد. وقصة الكتاب فيها وفاء، فقد كان للأديب (وديع فلسطين) عمودٌ أسبوعيٌّ بعنوان «سوانح»، ينشره في صحيفة محلية إقليمية كانت تصدُر في محافظة المنيا بصعيد مصر، واسم الصحيفة «الإنذار»، وظَلَّ وديع يكتب هذا العمود منذ عام 1946 حتى عام 1956. وجمع الحَمَد هذه المقالات المجهولة، فانظر كيف قام أديبٌ سعوديٌّ بجمع آثار كاتبٍ مصريٍّ من دهاليز الصحف وفاءً وحُبًّا وتقديرًا لمهنة الكتابة، فأحيا هذه النصوص.
السوانح تحمل سمات الأسلوب المبكر للفنان وديع فلسطين في رسم البورترية والكتابة عن الشخصيات، هي بذور لثمرات سيكتبها وتنضج لاحقًا في كتابه المُهم «وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره».
في نمط وديع فلسطين تذكير بمشكلة في صميم أدبه وهي أنه أديب ظهر في عصر المَلَكية وجاءت ثورة يوليو ولم يندمج فيها وحسبوه بسبب ارتباطه بالمقتطف على العهد السابق، وبسبب قلمه البديع وصلاته الأدبية الواسعة تعلق قلبه بالأدب المهجري وربوع لبنان وبلاد الشام.
المُفارقة أن وديع كاتبٌ صعيديٌّ قُحٌّ على الرغم من سؤال ضابط الأمن وهو يحقِّق معه: «متى شرَّفْتَ مصر؟»، إذ ظَنَّهُ فلسطينيًّا، فقال له وديع: «أنا قديمٌ منذ آلاف السنين». وبسبب اسمه الجغرافي - فلسطين - ظَنَّهُ البعضُ مِن بلاد الشام، وقد حسبوه مستوردًا من الخارج، وسأله أديبٌ ذات مرة: «هل أنت من بيت لحم؟»، فردَّ مستظرفًا: «لا، أنا من بيت عظم!».
خرجتُ مِن الخريطيات مُتمنِّيًا أن ينشر الأستاذ شبيب ما تحويه مكتبته من رسائل كثيرة، ففيها كما سمعتُ منه ما يُتحِف ويُطرِب، وهي رسائل تُعَدُّ شاهدةً على العصر، تؤرِّخ لأصحابها وما يرونه في قضايا الثقافة والأدب، وقد سبق ونشر وحقق إجازة خليل الخالدي لأحمد خيري ومعها ثلاث رسائل من الخالدي إلى بعض علماء عصره.