فِي كلِ صباحٍ، لا يخرج آلاف الموظفين إلى أعمالهم فقط، بل يدخلون سباقًا صامتًا مع الزمن، وهو سباق قد تُحسم نتيجته بثوانٍ معدودة، لكنها قد تُكلّف أكثر من مجرّد تأخير وظيفي.
دقيقة واحدة فقط قد تعني خصمًا من الراتب، أو نقطة سلبية في التقييم، أو توترًا يرافق الموظف طَوال يومه. وبين هذا الضغط، تتسارع الخُطوات، وتزداد السرعة في الطرق، ويبدأ التزاحم، ليس رغبة في الوصول، بل خوفًا من التأخير.
هنا، لا يصبح السؤال عن الالتزام بالدوام، بل عن الثمن الحقيقي لهذا الالتزام:
هل يمكن لنظام إداري أن يدفعَ الإنسان للمُخاطرة بصحته وسلامته؟
لم يعد نظام البصمة مجرّد وسيلة تنظيميّة لضبط الحضور والانصراف، بل تحوّل في الواقع العملي إلى عامل ضغط يومي، خاصة مع ربطه المباشر بالدقيقة والثانية، وما يترتب على ذلك من خصومات مالية وتأثير على التقييم الوظيفي. هذا الربط الصارم خلق حالة من القلق المُستمر، انعكست بوضوح على سلوك الموظفين، خصوصًا في الطرق.
فالازدحام لم يعد مجرّد ظاهرة طبيعيّة، بل أصبح في أوقات معينة نتيجة مباشرة لخروج أعداد كبيرة من الموظفين في توقيت واحد، يتسابقون للوصول قبل تسجيل «البصمة». ومع هذا التسابق، تزداد المخالفات، وترتفع احتمالية الحوادث، في مشهد يطرح تساؤلًا لا يمكن تجاهله:
هل ساهم نظام إداري، بشكل غير مباشر، في زيادة المخاطر المرورية؟
ومن زاوية صحية، تتعمّق الإشكالية أكثر. أجهزة البصمة، خصوصًا التي تعتمد على اللمس، تُستخدم يوميًا من قِبل مئات الأشخاص، ما يجعلها بيئة محتملة لنقل الفيروسات والبكتيريا، خاصة في حال غياب التعقيم المُستمر. وفي وقت أصبح فيه الوعي الصحي ضرورة مُلحة، تبدو هذه الممارسات بحاجة إلى مراجعة جِدية.
أما تقنيات بصمة العين، ورغم تطوّرها، فلا تزال تحيط بها تساؤلات تتعلّق بمدى ملاءمتها لجميع الفئات، خاصة الحوامل وكبار السن، في ظل غياب دراسات محليّة كافية تُطمئن المُستخدمين بشأن آثارها طويلة المدى.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو التوجّه نحو تعميم هذه الأنظمة على طلبة المدارس. فهل من المنطقي إخضاع الأطفال لنظام صارم قائم على البصمة؟ وهل الهدف من التعليم هو بناء الوعي والمسؤولية، أم فرض الانضباط بأساليب تقنية قد لا تراعي الجوانب النفسيّة والصحيّة لهذه الفئة العمرية؟
ولا يمكن إغفال جانب آخر لا يقل أهمية، وهو التكلفة الاقتصادية لهذه الأنظمة، من أجهزة وصيانة وتشغيل، مقابل تساؤلات مشروعة حول العائد الفعلي منها. هل انعكست هذه الأنظمة على الإنتاجية بشكل ملموس؟ أم أصبح الالتزام شكليًا، يقتصر على تسجيل الحضور دون أثر حقيقي على جودة الأداء؟
وفي ظل وجود مديرين ومُشرفين مسؤولين عن متابعة الأداء، يبرز تساؤل منطقي:
هل أصبحنا نعتمد على الأجهزة أكثر من اعتمادنا على المسؤولية المهنية والثقة الإداريّة؟
إن هذه التساؤلات لا تعني رفض التطوّر أو معارضة استخدام التقنية، بل هي دعوة لإعادة التوازن. فالتقنية يجب أن تكونَ وسيلةً لدعم الإنسان، لا سببًا في زيادة الضغط عليه أو تعريضه للمخاطر.
في الختام:
لا يُمكن قياس نجاح أي نظام إداري فقط بمدى قدرته على ضبط الوقت، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين الانضباط والإنتاجية من جهة، وصحة الإنسان وسلامته من جهة أخرى.
إن ما نحتاجه اليوم ليس إلغاء الأنظمة، بل إعادة تقييمها بواقعية، من خلال دراساتٍ علميّةٍ شاملةٍ تقيس أثرها الحقيقي على المُجتمع، وتفتح الباب أمام حلول أكثر مرونة وإنسانية.
فحين تصبح دقيقة التأخير سببًا في سباق قد يُهدّد الأرواح، يصبح من الضروري أن نتوقفَ ونسأل:
هل ما نكسبه من انضباط يوازي ما قد نخسره من إنسان؟
خبيرة واستشارية في مجال التغذية العلاجية والمجتمعية