الدوحة ـ الراية:
محكمة الاستئناف تنقذ طيارًا قبل سقوطه وتحطم مستقبله
بعد تعرضه للحبس على ذمة القضية.. كاد حكم ابتدائي أن يحطم مستقبل طيار مهنيًا، لا لأنه ارتكب جريمة، ولا لأنه كان طرفًا في مشاجرة داخل أحد فنادق الدوحة، بل لأنه وجد قريبًا من مسرح الواقعة في لحظة اختلطت فيها الوجوه بالأحداث، والتبس فيها دور من حاول الإصلاح بدور من أحدث الفوضى.
ليلة الفندق… بداية لم تكن متوقعة
بدأت القصة في أحد فنادق الدوحة. كانت الليلة تبدو عادية؛ ضيوف يجلسون في المطعم، أحاديث جانبية، وكان الطيار موجودًا برفقة شقيقه وبعض الأصدقاء، ولم يكن في المشهد ما يوحي بأن تلك الليلة ستتحول إلى قضية جنائية تهدد مستقبله المهني.
لكن مشادة حدثت بين أشخاص آخرين سرعان ما تطورت إلى اشتباك، فاستدعى الأمر تدخل أمن الفندق، ثم حضور الشرطة. وبحسب ما قرره الطيار في التحقيقات، لم يكن هو من بدأ الشجار، ولم يكن طرفًا في التلفيات أو الإزعاج، بل تدخل لمحاولة فض الاشتباك.
حكم أول درجة… إدانة تهدد المستقبل
أُحيل المتهمون إلى المحكمة الجنائية الابتدائية، وأسندت النيابة العامة الاتهامات إلى الطيار وباقي المتهمين تهم مشابهة.
لكن الطيار لم يحضر محاكمة أول درجة، والتي كانت عبارة عن جلسة واحدة فقط ولم تعقبها جلسات أخرى، فصدر الحكم عليه حضوريًا اعتباريًا بعد إعلانه على العنوان الوطني وعدم مثوله أمام المحكمة. وقضت المحكمة الابتدائية بمعاقبة المتهمين، ومن بينهم الطيار، بحبس كل واحد منهم مدة شهر، وتغريمه ٣٠٠٠ ريال، وإبعادهم عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة.
لم يكن الحكم بالنسبة للطيار مجرد شهر حبس أو غرامة مالية، كان الحكم يهدد شيئًا أكبر بكثير: مهنته، وسمعته، وقدرته على العمل والتنقل بين الدول والمطارات دون قيود.
فالطيار لا يعمل في مهنة عادية، هذه مهنة تقوم على الثقة، والانضباط، والقدرة على العبور بين المطارات والدول بلا موانع قانونية.
أي إدانة جنائية قد تلاحقه في ملفه المهني، وتثير حوله الشكوك وسترفضه أي شركة طيران مستقبلا في حال خسر وظيفته الحالية.
أما عقوبة الإبعاد، فكانت أكثر خطورة، فالإبعاد من قطر لا يعني فقط مغادرة الدولة، بل قد يعني منعه من العودة إليها مستقبلًا، حتى ولو كان يؤدي عمله كقائد طائرة تحمل ركابًا إلى الدوحة.
وكيف يمكن لطيار أن يعمل في خطوط جوية إذا كان ممنوعًا من دخول محطة جوية مهمة؟
وكيف يقود رحلة إلى بلد لا يستطيع هو نفسه النزول فيه؟
هنا لم تعد القضية جنحة عابرة، بل أصبحت معركة من أجل مستقبل كامل يهدده وعائلته.
بعد صدور الحكم الابتدائي، لجأ الطيار إلى المحامي عبد الله بن حمد العذبة، ولم يتعامل المحامي آل عذبة مع الملف باعتباره مجرد استئناف ضد حكم جنائي، بل أعاد قراءة الواقعة من بدايتها.. راجع الأوراق، وتوقف عند أقوال المتهمين، ودقق في تفريغ كاميرات الفندق، وبحث عن السؤال الجوهري:
هل كان الطيار مشاركًا فعلًا في المشاجرة؟ أم أنه كان يحاول فضها؟
ثم ظهر سؤال آخر أكثر دقة:
هل اختلط الأمر بين الطيار وشخص آخر ظهر في محيط الواقعة ولم تُحل أوراقه إلى المحكمة؟
كان هذا السؤال هو بداية الخيط الذي قاد إلى البراءة.
أثار المحامي أمام محكمة الاستئناف مسألة لم تكن قد طُرحت أمام محكمة أول درجة، لأن الطيار لم يحضر تلك المرحلة، ولأن المحامي لم يكن قد تولى القضية إلا في مرحلة الاستئناف.
كانت المسألة أن هناك شخصًا آخر ظهر في محيط الواقعة، لكنه لم يكن ضمن المحالين إلى المحكمة، وكان يشبه الطيار في البنية والملامح، بحكم أنهما ينحدران من البلد نفسه.
وفي مشهد سريع داخل فندق، وسط حركة مشاجرة وتدخل أمني وحضور شرطة، كان هذا التشابه كفيلًا بأن يربك الصورة، لكن الحقيقة لا تظهر دائمًا من الأقوال وحدها، بل أحيانًا يجب أن تكشفها الكاميرا.
وزارة الداخلية تكشف الحقيقة عبر الكاميرا
برزت هنا فطنة أحد ضباط وزارة الداخلية أثناء تفريغ كاميرات الفندق. لم يتعامل الضابط مع المشاهد باعتبارها لقطات عابرة، بل تعامل بحرفية ودقق في مواقع الأشخاص، وحركتهم، ودور كل واحد منهم: من كان طرفًا في الاشتباك؟ ومن كان يحاول التدخل؟ ومن أحدث الإزعاج فعلًا؟
ومن خلال هذا التدقيق، ظهر الفارق. الشخص الذي قد يختلط أمره بالطيار لم يكن هو الطيار. والطيار لم يكن من أحدث الفوضى، ولم يكن من أقلق الراحة، ولم يكن طرفًا في المشاجرة. بل كان دوره، كما قال منذ البداية، محاولة فض المشاجرة.
التقط المحامي هذا الدليل وقدمه أمام محكمة الاستئناف في موضعه الصحيح، رابطًا بين الصورة والقانون، فالوجود في مكان الواقعة لا يكفي للإدانة، والتشابه في الملامح لا يكفي لتحميل شخص فعل غيره.
الاستئناف يكشف أن الواقعة لم تقع من الطيار أصلًا
كانت أهمية الاستئناف أنه فتح الباب لعرض الحقيقة كاملة، فقد تبيّن أن الطيار لم يكن طرفًا في المشاجرة، وأن دوره اقتصر على محاولة فض الاشتباك، وأن هناك شخصًا آخر قد يلتبس به، وأن تفريغ الكاميرات فرّق بين الاثنين، وأن أوراق الدعوى خلت مما يثبت أن الواقعة المؤثمة حدثت من الطيار أصلًا.
أمام محكمة الاستئناف، لم تعد القضية مجرد مشاجرة داخل فندق، بل أصبحت سؤالًا عن العدالة ذاتها:
هل يجوز إدانة إنسان لمجرد وجوده في المكان؟
هل يكفي أن يشبه شخصًا آخر حتى يتحمل فعله؟
وهل يجوز أن يتحول التدخل لفض مشاجرة إلى دليل اتهام؟
أعادت محكمة الاستئناف قراءة المشهد بحكمة وبصيرة، لا من زاوية الشك في الأدلة، بل من زاوية أعمق: هل وقعت الجريمة المنسوبة إلى الطيار أصلًا؟!
وجاءت إجابة المحكمة واضحة في ثنايا حكمها؛ فقد بيّنت أن مناط التأثيم في حقه غير متوافر، وأن أوراق الدعوى خلت مما يثبت أنه أقلق الراحة ، بل ثبت للمحكمة من تفريغ الكاميرات التي أثارها دفاع المحامي، ومن أقوال الضابط الذي باشر تفريغها، أن الطيار لم يكن طرفًا في المشاجرة، وإنما تدخل لفض الاشتباك، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بإقلاق الراحة الذي أحدثه الآخرون.
وبذلك لم تكن البراءة قائمة على مجرد احتمال أو شك، وإنما على انتفاء الواقعة المؤثمة في حق الطيار من أصلها، وتكمن أهمية هذا الحكم من محكمة الاستئناف في أنها تحرص على أن يكون الحكم مسهما في بناء مفهوم العدالة في البلاد.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة، قضت محكمة الاستئناف بقبول الاستئناف وإلغاء الحكم الابتدائي ضد الطيار، والقضاء ببراءته.
وبقيت السماء مفتوحة أمامه، لأن القضاء في قطر أعاد له احترام اسمه ومستقبله وحقه الذي كفله الدستور.