ترجمة - فهدة حسن:
يميل الآباء بطبيعتهم الفطرية إلى بسط مظلة من الحماية حول أطفالهم لتجنيبهم أي إزعاج، فيبادرون بالتدخل عند أول بادرة صعوبة، ويسعون لتخفيف وطأة خيبات الأمل ومنع الفشل بكافة السبل؛ غير أنَّ هذا السلوك الحميمي قد يحمل في طياته نتائج عكسية. فبحسب ما نشرته منصة "Psychology Today" فإن المبالغة في الحماية قد تحد، دون قصد، من تنمية واحدة من أهم المهارات الحياتية الجوهرية وهي "المرونة النفسية" .
وغالبًا ما يقع الكثيرون في فخ سوء فهم معنى المرونة؛ فهي لا تعني بالضرورة تربية أطفال جامدين لا يتأثرون بالمحيط أو قادرين على تجاوز العثرات بسهولة مطلقة، بل هي القدرة المُتزنة على مواجهة الصعوبات، وتنظيم المشاعر المضطربة، والتعافي ثم المُضي قدمًا، في إدراك واعٍ مفاده أن "الموقف صعب، لكنني أمتلك القدرة على التعامل معه" . وهنا يبرز الفارق الجوهري بين المرونة والمثابرة، فبينما تُعد الأخيرة صفة فطرية تدفع للاستمرار رغم التحديات، تبرز المرونة كمهارة مكتسبة تتعلق بالتكيف والتعافي، فالطفل المثابر الذي يفتقر للمرونة قد يستمر في المحاولة لكنه يسقط في فخ التوتر والإرهاق، بينما يدرك الطفل المرن متى يتوقف لإعادة التقييم وتجربة مسارات بديلة.
إنَّ بناء هذه المَهارة يبدأ منذ سنوات الطفولة المُبكرة، حيث تظهر بوادرها في القدرة على تحمل الإحباط أو تكرار المُحاولة بعد الإخفاق. ويتمثل الدور المحوري للوالدين هنا في السماح ببروز بعض الصعوبات البسيطة، فالتدخل الفوري يرسخ رسالة مفادها أنَّ الانزعاج أمر غير مقبول، بينما تقديم الدعم المعنوي دون طرح الحل الجاهز يُعزز ثقة الطفل في إمكاناته الخاصة. كما يلعب الذكاء العاطفي دورًا أساسيًا، إذ إنَّ مجرد تسمية الشعور، كقولنا "أنت تشعر بالإحباط الآن" ، يساعد الطفل على استيعاب مشاعره وفهم طبيعتها المؤقتة القابلة للتحكم دون استعجال الحلول.
ومع الانتقال للمرحلة المدرسية وما تحمله من تحديات أكاديمية واجتماعية، ينبغي أن يتحول دور الوالدين من "صانع الحلول المباشر" إلى "المُوجِّه" ، عبر تحفيز تفكير الطفل بأسئلة مثل: "ما الذي يمكنك تجربتُه؟" ، مع ضرورة ترسيخ ثقافة تقبّل الأخطاء كجزء طبيعي من عملية التعلم، ما يُحرر الطفل من قيود الخوف من المحاولة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية "النتائج الطبيعية" ؛ فرغم صعوبة رؤية الطفل يواجه عواقب أفعاله، مثل نسيان الواجب أو التعرُّض لموقف مُحرج، إلا أن هذه التجارب تقدم دروسًا لا تُقدر بثمن، حيث إنَّ "الدعم دون إنقاذ" هو المُحرك الفعلي لتعزيز الثقة بالنفس.
وتصل المرونة إلى ذروة أهميتها في مرحلة المُراهقة مع اشتداد الضغوط الاجتماعية والدراسية، وهنا يتطور دور الوالدين ليصبح منصة للإنصات والدعم بدلًا من التوجيه المباشر، مما يمنح المراهق مساحة للتفكير المستقل واتخاذ القرار، مع الاعتراف بمشاعره دون إطلاق أحكام. وفي المُحصلة، فإن المرونة ليست هبة "تُمنح" للأطفال، بل هي خبرة تُكتسب عبر الممارسة والتجربة؛ فهدف التربية الرشيدة ليس إزالة الصعوبات من طريق الأبناء، بل مُرافقتهم خلالها لتمكينهم من الإيمان بقدرتهم على تجاوز التحديات والخروج منها أكثر قوة وثقة.