يتعجَّبُ القارئُ مِن القدرات العلمية للعلّامة الجزائري محمد البشير الإبراهيمي، رحمه الله، فقد أورد الكاتب فهد الجريوي في كتابه «الظل والحرور» مختارات من سيرته العطرة «من أنا؟»، وفيها عجائب من اتساع الذاكرة وقدرة الحفظ.
تعلَّم الإبراهيمي في بيت أُسرته، فهو مِن أُسرة علمية، كان ملازمًا لِعَمِّه حتى في أوقات النوم والطعام، فكان عمُّه لا يُخلِيه دقيقة واحدة من فائدة علمية. وكانت لِعَمِّه طريقة عجيبة في تنويع المواضيع والمحفوظات حتى لا يملَّ البشير الطفل. واختُصَّ صاحبنا بذاكرة وحافظة خارقتين للعادة، فحفظ القرآن حفظًا مُتقنًا في آخر الثامنة من عمره، وحفظ معه وهو في تلك السن، نتيجة للتنويع الذي ذكره، ألفيةَ ابن مالك وغيرها.
وما بلغ العاشرة حتى كان يحفظ معظم رسائل فُحُول كُتَّاب الأندلس، ومعظم رسائل فُحُول كُتَّاب المشرق، مع حفظ المعلَّقات والمُفَضَّليات وشِعر المتنبي كلّه، وكثير مِن شِعر الرَّضِيّ وابن الرومي وأبي تمام والبحتري وأبي نُواس، كما استظهر كثيرًا مِن شِعر الثلاثة: جرير والأخطل والفرزدق، وحفظ كثيرًا مِن كُتب اللغة والأدب.
وكان عمُّه يُقرِئُه مع جماعة الطلاب المنقطعين عنده لطلب العِلم، ويُقرِئُه وحدَه، ويُقرِئُه وهو يُماشيه في المَزارع، ويُقرِئُه على ضوء الشمع، وعلى قنديل الزيت وفي الظلمة، حتى يغلبَه النوم. ولم يكُن شيء من ذلك يرهق الفتى الإبراهيمي، لأنَّ الله تعالى وهَبَه حافظة خارقة للعادة، وقريحة نيِّرة، وذهنًا صَيُودًا للمعاني، ولو كانت بعيدة. ولما بلغ أربع عشرة سنة، مَرِضَ عمُّه مَرَضَ الموت، فكان لا يُخليه مِن تلقينٍ وإفادةٍ وهو على فِراش الموت، بحيث إنه ختم الفصول الأخيرة من ألفية ابن مالك عليه وهو على تلك الحالة.
ولقد حفظ الإبراهيمي وهو في تلك السنّ أسماءَ الرجال في كتاب «نفح الطيب»، إذ كان كتاب «نفح الطيب» هو الكتاب الذي تقع عليه عينُه في كل لحظة منذ فتحت عيناه على الكتب. وكان يحفظ عشرات الأبيات من سماعٍ واحدٍ، مما يحقِّق ما نقرؤه مِن سَلَفِنا عن غرائب الحفظ.
رحل الإبراهيمي من الجزائر إلى الحجاز سنة 1911، وسِنُّهُ إحدى وعشرون سَنَةً، فمَرَّ على القاهرة وأقام بها ثلاثة أشهُر، طاف فيها بِحِلَقِ الدروس في الأزهر، وزار شاعر العربية أحمد شوقي الذي كان راويةً لشِعره، وأسمعه عدَّة قصائد مِن شِعره مِن حِفْظِه فتهلَّل شوقي رحمه الله واهتز. كما اجتمع بشاعر النِّيل حافظ إبراهيم في بعض أندية القاهرة وأسمعه مِن حِفْظِه شيئًا مِن شِعره كذلك.
وما أشرف الإبراهيمي على الشباب حتى أُصيب بِشَرِّ آفةٍ يُصاب بها مِثْلُه مِن العلماء، وهي آفةُ الغرور والإعجاب بالنفس، فكان لا يرى نَفْسَه تَقصُر عن غايةِ حُفَّاظ اللغة وغريبها وحُفَّاظ الأنساب والشِّعر، وكاد يهلك بهذه الآفة لولا طَبْعٌ أدبيٌّ مَرِحٌ كريم، ورحلةٌ إلى الشرق كان فيها شفاؤُه مِن تلك الآفةِ، كما ذَكَرَ في سيرتهِ، حيث التقى مع العلماء.