بعضُ المُدنِ لا تحتاجُ وقتًا طويلًا كي تكشف مَعدِنها الحقيقي، يكفي أنْ تعيشَ فيها أيامًا مُتصلة حتى تدركَ أنَّ الهدوء فيها ليس صُدفة، وأنَّ الطمأنينة التي تبثها فيمن حولها ليست أمرًا عابرًا، بل جزءًا أصيلًا من روح المكان وأهله.
منذ اندلاع الحرب قبل شهرين تقريبًا، وأنا موجود في الدوحة، ولعلَّها المرة الأولى التي أبقى فيها كل هذه المدة المُتواصلة في مدينة خليجية بعيدًا عن الكويت.
مع مُرور الوقت، اكتشفتُ أنَّ علاقتي بهذه المدينة لم تعُد مرتبطة فقط بالاستديوهات والتحليل السياسي ومتابعة الأخبار، بل أصبحت علاقة أقرب إلى الأُلفة اليوميَّة التي تجعل المرء يرى المُجتمع من الداخل، لا من خلف الشاشات فقط.
أكثرَ ما شدني خلال هذه الفترة ليس السياسة بقدر ما هو «القطريون أنفسُهم».
أهل قطر لديهم هدوء يشبه الثقة، وتواضُع يسبق المُجاملة، وقُدرة جميلة على احتواء الآخر من دون تكلُّف.
في المجالس العامرة، وفي اللقاءات العابرة، وحتى في التفاصيل الصغيرة، تشعرُ أنَّ هناك نمطًا اجتماعيًا عميقًا قائمًا على الاحترام والوُد والحرص على راحة من أمامهم.
خلالَ الأشهُر الماضية، التقيت شخصيات كثيرة، من مُختلف المواقع والخلفيات، وكنتُ في كل مرة أخرج بانطباع واحد يتكرر: هذا المجتمعُ يعرفُ كيف يحافظ على توازنه. لا صخبَ مفتعلًا، ولا توترَ دائمًا، ولا رغبة في استعراض المواقف. حتى النقاشات السياسية، رغم سخونتها أحيانًا، تبقى محكومة بالعقل والهدوء واحترام الرأي الآخر.
وأعتقد أنَّ هذه من الصفات النادرة، أن تستطيع أنْ تختلف من دون أن تخسر أخلاقك أو هدوءك.
الدوحة أيضًا مدينة تمنحك شعورًا غريبًا بالأمان النفسي.
ربما بسبب رصانة أهلها، وربما بسبب حالة الاستقرار التي نجحت قطر في تكريسِها اجتماعيًا وإنسانيًا، أو رُبما لأنَّ الناس هنا ما زالت ترى أنَّ الحياة أكبر من أن تُستهلك بالكامل في التوتر والخوف ومُتابعة الأخبار العاجلة.
أحيانًا، بعد يوم طويل من التحليلات السياسية والحديث عن الحروب والتصعيد، أذهبُ إلى مجلس أو مناسبة اجتماعية، فأشعر أنَّ المُجتمع القطري يمتلكُ قدرة ذكية على حماية حياته اليومية من الضجيج المُحيط. الحديث ينتقل بسرعة نحو المستقبل، نحو العمل، نحو الأفكار، وحتى نحو التفاصيل البسيطة التي تعيد للمرء توازنه النفسي.
ولاحظتُ خلال هذه الفترة أن السؤال الذي كان حاضرًا بقوة في بداية الحرب: «متى تنتهي الحرب؟» بدأ يتراجعُ تدريجيًا. الناس تعبت من الانتظار الطويل، وصارت تبحثُ عن شيء آخر، عن الطُمَأنينة، وعن الاستمرار، وعن كيفية العيش بسلام داخلي رغم كل ما يحدثُ حولنا.
وربما هنا تحديدًا تكمُن قيمة المُجتمعات المُتماسكة، أنها لا تسمحُ للأزمات أن تسرقَ روحَها بالكامل.
بعد هذه الإقامة الطويلة الجميلة في الدوحة، أستطيعُ القول: إنَّ قطر ليست فقط دولة نجحت سياسيًا وإعلاميًا، بل إنها مُجتمع نجح أيضًا في أنْ يبقى إنسانيًا وهادئًا ومتوازنًا في واحدة من أكثر الفترات توترًا في المِنطقة. وهذا برأيي، إنجازٌ لا يقل أهمية عن أي إنجاز آخرَ.