جاءَ في كتاب «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيد، نقلًا عن أحد الفلاسفة قوله: «لا تغتر بحُسن الكلام إذا كان الغرض الذي يقصد به ضارًا، فإن الذين يسمّون الناس إنما يقدمونه في ألذ طعام، ولا تستجفينَّ الكلام الغليظ إذا كان الغرض سليمًا نافعًا، فإن أكثر الأدوية الجالبة للصحة بشعة».
فالإنسان، ككائن اجتماعي بطبعه، تقوم حياته كلها على العَلاقات التواصليّة، مع أسرته، ومع عائلته، ومع زملائه في العمل، ومع الغير بصفة عامة. فهذه العَلاقة التواصليّة هي التي يُحقق بها حاجاته الجسدية والنفسية والعاطفية، وهي التي يعبّر بها عن خوالج نفسه وبنات أفكاره، ولهذا كان التواصل دائمًا هو أساس الحضارات والشعوب، يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» – الحجرات، الآية: 13.
ولهذا فالتواصل كظاهرة اجتماعيّة، تطوّرت عبر التاريخ وتطوّرت أساليبها ودوافعها، وتحوّلت مع الزمن إلى لغة مباشرة وغير مباشرة، فظهرت البلاغة والاستعارة والتورية وعلم المعاني للبحث في هذه اللغة غير المباشرة، وللبحث عن مقاصد المتكلم وغاياته من كلامه وانتقائه للعبارات في خطابه للآخرين.
لكن، لن أخوض َمعك عزيزي القارئ في متاهات الخطاب وأساليبه وأنواعه، لأننا لسنا في مُحاضرة أكاديمية، وإنما هدفي من هذه المقالة أن أناقشَ معك كيف يوظف التواصل والكلام كآليةٍ للنفاق الاجتماعي، وكيف أن البعض قد يعجبك كلامه وترى فيه مدحًا لك وامتنانًا، لكن في حقيقة الأمر حين تستفيق من الإعجاب الأوّل تجد أنه لا يقصد من كلامه إلا النفاق والضحك عليك.
ففي بيئة العمل كمثال، قد يكون بينكم موظف حسن الكلام والمجلس، لا يقول بلسانه إلا حسنًا، لكن سريرته مُناقضة تمامًا لكلامه، وفعله مُخالف كليًا للسانه، فيحفر لك بيده ويمدحك بلسانه. في حين قد تجد بين زملاء العمل أيضًا موظفًا جديًا مقتصدًا في كلامه، لا يُحسن التعبير والمدح ولا يُسمع صوته إلا قليلًا، وإذا نطق ترى كلماته جافة بلا معنى ولا حلاوة، فيصارحك بعيوبك بلا مواربة، لكن في حقيقة الأمر تجد أن أفعاله وسريرته طيبة لا يضمر حقدًا ولا ضغينةً، فعن هذين النوعين تحدث الفيلسوف في المقولة التي مهدنا بها مقالنا هذا.
فالذي يريد النفاق والضر لا شك سيكون كلامه حلوًا طيبًا، لأنه يريد، وسطه، أن يغرس فيك ناب سم ينهي به حياتك ماديًا أو معنويًا، ومن أراد بك خيرًا فلن يتردد في مُصارحتك بحقيقة نفسك ويصدمك ببيان عيوبك بين الفينة والأخرى، لأنه يهتم بك وبمصلحتك العُليا، ولو أضرّتك كلماته التي هدفها إيقاظك وعلاجك علاجًا حقيقيًا، لا إيهامك بأنك على حق حتى تسقط في الهاوية.
وفي الأخير أذكر هنا أبياتًا شعريةً في نفس السياق للشاعر صالح بن عبدالقدوس في إحدى قصائده، التي يقول فيها:
لا خير في ود امرئ متملق
حلو اللسان وقلبه يتلهب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
يلقاك يحلف أنه بك واثق
وإذا توارى عنك فهو العقرب