أنهيتُ كُتيِّبًا في جلسة واحدة بعنوان «محاضرة في المطر» للكاتب خوان بيورو بترجمة جميلة لمارك جمال، عن مُحاضِر ينوي الحديث عن المطر والأدب، وهو موضوع شائق، لكن المُحاضِر ينسى أوراقه، فيُحلِّق بالحديث عن فنِّ القراءة ويشطح في محاضرته في شجون الحب والمطر. لكني أتوقف عند هيامه بالكتب.
يبدأ الكتاب باقتباسٍ جميل لأوكتافيو باث: «وأنصتي إليَّ كمن ينصت إلى وقع قطرات المطر.. فلا أنتِ منتبهة ولا أنتِ شاردة»، ثم يهيم الكاتب بالأدب والمطر لما يثيره في نفوس الشعراء من الشجن، فالخيال كما يقول هو تلك المنطقة حيث يُبدِّل الشاعرُ الطقس، حسبما جاء في قول دانتي: «ينهمر المطر في الخيال السامي».
ويُبدِع الكاتب في تعريف الأدب، فهو «ذلك المكان حيث ينهمر المطر». ولقد كرَّس كاتبنا زمنًا طويلًا من حياته لجمع المظلَّات الأدبية.
كما أنَّ كاتبَنا «أحرق أهدابه» بحثًا عن الاقتباسات (كم أُشبِهُه في ذلك)، ثم يقول: «أعرف أنها عبارة عفا عليها الزمن، وتعود إلى ذلك الزمن، لمَّا كان المرء يقرأ على ضوء الشموع. ولكن أهداب القرَّاء العظام ما زالت تحترق... وتشبُّ فيها النار حين يسطع وهج النصوص... إذ قدَّمتُ أهدابي قربانًا، مثلما قدَّمتُ بصري قربانًا. المكتبة مصرف العيون، ففيها تُودَع النظرات التي يتبرَّع بها القرَّاء».
وهي حكايةُ رَجُلٍ أمضى حياته في ترتيب المكتبة، فبعثرَت الكتبُ حياته، وفي ثنايا القصة خلاصاتٌ مَرَّ بها كثير من القراء. يكتب المؤلف عن «ثبات المرء أمام صفحات الكتاب، مسيطرًا على التوتر، لأن حراك الذهن يتطلب سكون الجسد». ويلاحظ في ثنايا نصه أنَّ الناس تتقبل من المفكرين العظام أو الفنانين الوثابين أن يكونوا أوغادًا، بل ويتوقعون منهم ذلك، لأنَّ رهافتهم الراقية عاجزة عن الانسجام مع العالم.
ويُشبِّه الكاتب شخصياته بالكتب، فهو يقول عن سيدةٍ هامَ بها إنَّه أول ما رآها كانت «كأنها امرأة كُتِبت باللغة الآرامية، امرأة عجزتُ عن قراءتها أكثر من أي وقت مضى». ويقول في موضعٍ آخَر عن إحدى بطلاته: «كانت كتابًا عانقتُه وأنا لا أُدرِك له مغزى، كتابًا فريدًا، ذا قيمة عظيمة، كُتب بلغة مجهولة. ولأنني لم أُشاطِرها البقية الباقية من حياتها، فلقد شعرتُ بأنَّ في حوزتي كتابًا لا تُكشَف رموزه. لم أكتفِ بتجليده المتقن، وطباعته الجذابة، ورسومه المنمنمة، بل أردت أن أقرأه!».
ويتساءل: «هل تمكَّن من قراءتها آخَرون؟»، وهو يشعر بغيرة لا توصف من الشخص القادر على التعرف إلى ذكرياتها، وحكاياتها، ونمائمها. حتى هذه السيدة عاملته ككتاب، واختارته كما يختار المرء كتابًا في المكتبة، وهو لا يدري أي صنف من النصوص كان عندها.
ختامًا، المطر عودة إلى المطر، فهو قصة فريدة في أدبنا العربي جديرة بالحكاية، وأختم بهذا الندى من الشاعر محمد الثبيتي:
«لي ولك
نَجْمتانِ وبُرجان في شُرفَات الفلك
ولنَا مطرٌ واحدٌ
كلّما بلّل ناصِيَتي بلّلك!».