فِي عام 2000 قرّرَ المُخرجُ «روبرت زيميكس» العملَ على فيلم الإثارة والرعب المميّز «ما يكمن في القاع»، وهو في مُنتصف مرحلة الإنتاج لأروع فيلم له على الإطلاق، وأقصد بذلك فيلم «Cast Away»، حيث أوقف التصوير لفترة كي يمنح «توم هانكس» الوقت الكافي لإنقاص وزنه بشكل جذري، بما ينسجم مع التحوّل القاسي الذي تفرضه شخصية رجل عاش أعوامًا معزولًا على جزيرةٍ مهجورةٍ.
شاهدتُ الفيلم للمرة الأولى في قاعة السينما وأنا في المرحلة الابتدائيّة، وأذكر جيدًا ذلك الخوف الذي تسلّل إليّ، وحين عُدتُ لمُشاهدته لاحقًا على شاشة التلفزيون مرّات عدّة، ظلّ الإحساس ذاته حاضرًا، لا لأن الفيلم مُرعبٌ حقًا، بل لأنّه ارتبط في ذاكرتي بمخاوف الطفولة.
تدور أحداث الفيلم حول «نورمان سبنسر» وهو باحث جامعي، يعيش مع زوجته «كلير» في منزل بالقرب من بحيرة فيرمونت، وبعد أن تذهب ابنتها «كيتلين» إلى الجامعة، تشعر «كلير» بالوحدة بانشغال زوجها ومُغادرة ابنتها للدراسة.
وتتفاقم الأحداث حين تبدأ «كلير» بسماع أصوات غامضة داخل المنزل ورؤية أمور مريبة لا تجد لها تفسيرًا منطقيًا، وتشعر بأنّ ما يحدث ليس محض أوهام عابرة، بل هو خيط يقود إلى سرٍّ مدفونٍ في المكان، فتحاول بكل طريقة الوصول إلى الحقيقة.
النص السينمائي الذي كتبه كلٌّ من «كلارك غريغ» و»سارا كيرنوشان» لم يكن مُحكمًا كما يجب، وهناك بعض الهفوات المُعتادة في أفلام الرعب، لكن «روبرت زيميكس» برؤيته الإبداعيّة استطاع تعويض القصور في النص بجذب الانتباه من خلال تعزيز جانب الغموض والإثارة والتشويق والرعب.
المُستوى الفني للفيلم كان مُتميزًا من ناحية التصوير والإضاءة والمونتاج، بالإضافة إلى الموسيقى التصويريّة لـ «ألان سيلفيستري» التي كانت منسجمةً مع أجواء القصة.
«ميشيل فايفر» قدّمت أداءً جميلًا بشخصية «كلير»، وكذلك «هاريسون فورد» بشخصية «نورمان»، وبلغت ميزانية إنتاج الفيلم 100 مليون دولار، وحقّق نجاحًا هائلًا، بإيرادات تزيد عن 291 مليون دولار في شباك التذاكر في أمريكا وبقية دول العالم.
باعتبار المُخرج «روبرت زيميكس» أحد أبرز روّاد توظيف التقنيات الحديثة في السينما، كان من الطبيعي أن ينعكسَ هذا النهج على تجرِبة العمل في هذا الفيلم، وقد صرّحت «ميشيل فايفر» في عددٍ من المقابلات أنّها شعرت في البداية بنفورٍ من كثرة الجوانب التقنية المُصاحبة لصناعة الفيلم، غير أنّها مع مرور الوقت اكتشفت أنّ هذه التجرِبة حملت في طيّاتها الكثيرَ من المتعة والفائدة على الصعيدين الفني والمهني.