آراء ومقالات

ترجَّل الفارس.. عندما تصنع النزاهةُ جغرافيا المستقبل

google$tag->cmd["push"](function() { google$tag->display('div-gpt-ad-1738755718363-0'); });
سعود بن عبدالرحمن آل ثاني
 (رئيس مجلس إدارة «وقود» سابقًا، وعضو مجلس أمناء مؤسسة عبدالله بن حمد العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة)
(رئيس مجلس إدارة «وقود» سابقًا، وعضو مجلس أمناء مؤسسة عبدالله بن حمد العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة)
ثمة اجتماعاتٌ لا تُقاس بمحاضرها، بل ب «ثقل الغياب» فيها. كان اللقاء الأوّل لمجلس إدارة «مؤسسة عبدالله بن حمد العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة» بعد رحيل مؤسسها، اختبارًا قاسيًا للمشاعر، ومواجهةً مُباشرةً مع الفراغ الذي تركه الرجل الصارم. أن تجلس في ذات المكان الذي شهد ولادة الأفكار الكُبرى، وتتطلع إلى سدة القيادة فلا تجد القائد التنفيذي الذي أدار مسيرة تحويل الطاقة إلى استدامة، والبحث العلمي إلى واقع، هي لحظة تختلط فيها الصور؛ يتدفق طيفه مُمتزجًا بملامحه الصارمة وتفاصيل حماسه، وعزيمته التي لا تلين، وصولًا إلى سنوات ألمه النبيل.
لم يكن ذلك اللقاء أول مواجهة مع الحزن؛ بل داهمني طيفه وأنا عائدٌ من الأراضي المقدّسة، أحاول صياغة مرثية تليق ب «بو حمد»، فلم تسعفني اللغة؛ إذ كيف للكلمات العاجزة أن تعزي شخصًا ناجحًا وفارقًا ؟ وكيف للمرثية أن تطوّق قامةً، لكننا لا نملك أمام مشيئة القدر إلا التذرّع باليقين، مُستحضرين قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، ومُستمسكين بوعد الله أن يجمعَ الأرواح الحرة في جنات النعيم.
ثانيًا: هندسة المنظومة.. عولمة قطاع الطاقة
إن النجاحات الإداريّة والقفزات الهيكلية التي حققها سعادة السيد عبدالله بن حمد العطية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت تجسيدًا أمينًا وتدشينًا تنفيذيًا للرؤية الاستراتيجية الحكيمة التي وضعتها القيادة العليا للدولة لنهضة قطر الحديثة، وتحويل مؤسساتها إلى كِيانات عابرة للقارات.
وأسترجع هنا خريف عام 1997، حين التقيته للمرة الأولى كنت حينها مُهندسًا يافعًا يقف على عتبة الحياة العملية، أحمل شهادتي للالتحاق ب «المؤسسة القطرية العامة للبترول» برفقة والدي، أطال الله بعمره، يومها بادرني بابتسامته الواثقة مُستقبلًا إياي: أهلًا بك في «المعمعة»، وهي الكلمة التي اختصرت فلسفته في أن التميّز لا يُولد إلا من رحم الصبر، والتدرّج، والمواجهة المَيدانيّة تحت لواء الدولة.
تلك «المعمعة» قادتني لاحقًا لأكون جزءًا من إحدى أهم المحطات التاريخية في مسيرة الطاقة القطرية، والمتمثلة في تأسيس «شركة قطر للبترول الدولية» عام 2007. كانت الرؤية تقتضي خلق ذراع استثمارية موازية لجهاز الاستثمار السيادي، لا تكتفي بإنتاج النفط والغاز محليًا، بل تحوّل قطر إلى لاعب دولي محوري يساهم في استقرار أسواق الطاقة العالمية، ويمد يد الشراكة والتكامل لنقل الخبرات القطرية إلى وراء البحار.
لقد تشرّفت بالعمل تحت قيادتة الإداريّة في اللحظات التي شهدت أول استحواذ قطري خارجي في قطاع البتروكيماويات، ورأيت في عينيه فخر المسؤول الذي يرى غراس قادته يُثمر يقينًا. واليوم، ونحن نشهد تدفق الغاز القطري من محطة «قولدن باس» في الولايات المتحدة، نتذكر كفاءته في إدارة الأزمات؛ فعندما تراجعت الأسعار مع طفرة الغاز الصخري الأمريكي، مَثّل قراره حلًّا تاريخيًا وجريئًا، حيث قال بعبقريته الاقتصادية: «الحل يكمن في تحويل المحطة من مِنصة استقبال إلى مِنصة تصدير»، وهو ما تحقق بحرفيته ليصبح المشروع شِريانًا حيويًا عالميًا يصبّ في مصلحة الوطن والمواطن.
تفكيك الاحتكار.. «وقود» وتكريس الشفافية
وفي سياق مُتصل، التزمت المدرسة الإدارية التي قادها العطية بالربط الدائم بين الكفاءة والعدالة الاجتماعيّة تنفيذًا للتوجيهات السامية. ففي عامي 1999 و2000، ومع تزايد الطلب على تراخيص محطات الوقود الفردية، صدرت التوجيهات السامية المباشرة بضرورة صياغة حل يضمن تكافؤ الفرص، ويحمي السوق من الاحتكار، ويُعزّز مبدأ الشفافية والإتاحة للجميع.
بِناءً على هذا التوجيه، أشرف، رحمه الله، على تشكيل فريق عمل لتأسيس شركة «وقود» كشركة مُساهمة في البورصة. لم تكن «وقود» مجرد شركة لبيع المحروقات، بل كانت هندسة مالية رائدة لتحويل البنية التحتية الحيوية للدولة إلى ملكية شعبية عامة. وحرص سعادة السيد عبدالله بن حمد العطية على وضع سقوف محددة للملكية الفردية لضمان عدم استئثار فئة قليلة بالأسهم، وتوسيع قاعدة المساهمين لتشمل أكبر شريحة من المواطنين. لقد امتدت أعمال الشركة لتشمل خِدمات الطيران والمستودعات الاستراتيجية بمطار الدوحة القديم ثم مطار حمد الدولي، متحوّلة إلى واحدة من أكبر دعامات الاقتصاد الوطني المالي، ومُجسدةً مفهوم «العدالة الاقتصادية والنزاهة» التي أرادتها القيادة الحكيمة لشعبها.
«الوزير النزيه».. مأسسة الحوكمة وبناء الدولة الحديثة:
لقد حظي العطية بتقدير استثنائي رفيع تمثل في وصفه ب «الوزير النزيه» وهو لقب يحمل دلالة سامية على ثقة القيادة، ولم يُعطَ جزافًا، بل عُمد بالقرارات الهيكلية الصارمة التي تبنّاها الوزير الراحل. فقد كان من أول المستحدثين لإدارة التدقيق الداخلي في قطاع الطاقة، وفعّل لوائح تعارض المصالح بصرامة غير مسبوقة تماشيًا مع معايير الحوكمة الحديثة.
ولن ينسى التاريخ ذلك القرار الصارم الذي فاجأنا به جميعًا، حين أصدر تعميمًا يمنع بموجبه التعامل مع شركة مقاولات صغيرة لمجرد أن ملكيتها تعود لأحد أقاربه؛ مؤصلًا بذلك لقيم النزاهة والترفع قبل أن تُصبح هذه المصطلحات أدبيات شائعة في الشركات العالمية. ولم تقتصر بصماته على قطاع الطاقة فحسب؛ بل امتدت لتشمل قطاع الاتصالات كأحد مؤسسي «كيوتل» (أريدُ حاليًا)، مُساهمًا في بناء شبكات العصر الحديث للدولة.
امتداد المجد.. من التأسيس إلى النهضة الشاملة:
إن هذا الإرث العظيم في قطاعات الطاقة، والاتصالات، والبنية التحتية، مَثّل القاعدة الصُلبة والركيزة الأساسية التي انطلقت منها دولة قطر نحو آفاق غير مسبوقة من الحداثة والعالميّة. واليوم، تشهد بلادنا التطوّر الأكبر والأشمل في شتى مناحي الحياة، تحت القيادة الرشيدة والتوجيهات السديدة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المُفدى - حفظه الله ورعاه - . فبفضل الرؤية السديدة لسمو أمير البلاد المُفدى، تحوّلت قطر إلى منارة عالمية في الاقتصاد، والسياسة الدولية، والتنمية المستدامة، مستكملةً مسيرة المجد بخُطى ثابتة تصنع الحاضر المُزدهر وتؤمّن مستقبل الأجيال.
لقد كان عبدالله بن حمد العطية أبًا بقلبه، وموجهًا بعقله، وصديقًا بنصحه، مُساهمًا بكل إخلاص في تلك المسيرة الممتدة. أحب التاريخ فعاشه، وأحب الرياضة فكان مُشجعًا مُخلصًا لنادي السد، لكن حبه الأكبر والأسمى كان لقطر، التي كان مُستعدًا للتضحية بكل شيء من أجل رفعتها.
وكما قال أبو الحسن التهامي في رثائه الخالد:
حُكْمُ المَنِيَّةِ فِي البَريَّةِ جَارِي
مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ قَرَارِ جَاوَرَت أَعْدَائِي وَجَاوَرَ رَبَّهُ
شَتَانَ بَيْنَ جَوَارِهِ وَجوَارِي
لقد رحل الفارس وجاور ربه، لكن اسمه سيبالغ في الحضور، محفورًا في ذاكرة قطر ومؤسساتها، وفي دعوات مُحبيه، حيث عُرف فيه الإخلاص والترفّع. وإذا كان الموت حقًا، فإن الأثر العظيم تحت ظل القيادة الحكيمة عصيٌ على النسيان.
نقول ل «بو حمد»: إن تلتحق بالرفيق الأعلى، فإن عطاءك وإخلاصك سيبقيان نموذجًا مُلهمًا للأجيال القادمة في حب الوطن والوفاء لقادته.
«إنا لله وإنا إليه راجعون»

الأكثر مشاهدة

.raya-many-pdf-static { overflow: hidden; margin-top:20px; .raya-more-link { background: #FFF; padding: 3px; margin-right: auto; margin-left: 0; float: left; margin-bottom: -35px; } } .raya-many-pdf-static-slider { background: linear-gradient(180deg, #8A013C 0%, #490019 100%); border-radius: 5px; padding: 30px 15px 0px; } .raya-many-pdf-static .mt60{margin-top:60px} .raya-many-pdf-static .h50{height:50px;} .raya-many-pdf-static-slider .swiper-slide { width: 172px; opacity: 0; } .raya-many-pdf-static-slider .layout-ratio { padding-bottom: 175%; } .raya-many-pdf-static-slider .swiper-slide-prev, .raya-many-pdf-static-slider .swiper-slide-next { filter: blur(3px); opacity: 1; } .raya-many-pdf-static-slider .swiper-slide-active { opacity: 1; } .raya-many-pdf-static-slider .swiper-horizontal>.swiper-pagination-bullets, .raya-many-pdf-static-slider .swiper-pagination-bullets.swiper-pagination-horizontal, .raya-many-pdf-static-slider .swiper-pagination-custom, .swiper-pagination-fraction{ bottom: -40px; } .raya-many-pdf-static-slider .swiper-button-prev, .raya-many-pdf-static-slider .swiper-button-next { bottom: -40px !important; }
setTimeout(function() { new Swiper('.swiper-many-pdf', { loop: true, pagination: { el: '.swiper-pagination', }, navigation: { nextEl: '.swiper-button-next', prevEl: '.swiper-button-prev', }, effect: "coverflow", grabCursor: true, centeredSlides: true, slidesPerView: "auto", coverflowEffect: { rotate: 0, stretch: 0, depth: 1200, modifier: 1, slideShadows: true, }, }); }, 1000);

آخر الأخبار

.raya-one-pdf-static { .layout-ratio { padding-bottom: 129%; img { background-color: unset; box-shadow: unset; } } }

{{ static_widget_211[0].publication_name}}

pdf-icon
.raya-one-pdf-static { .layout-ratio { padding-bottom: 129%; img { background-color: unset; box-shadow: unset; } } }

{{ static_widget_212[0].publication_name}}

pdf-icon
.raya-one-pdf-static { .layout-ratio { padding-bottom: 129%; img { background-color: unset; box-shadow: unset; } } }

{{ static_widget_213[0].publication_name}}

pdf-icon