يُنافسُ يَوْمِي فِيَّ أَمْسِي تَشَرُّفًا.. وَتَحْسُدُ أَسْحَارِي عَلَيَّ الأَصَائِل
رَكَّزَتِ الجامعاتُ كثيرًا منذ عقود على تصنيف المعرفة أكثر من كونها مراكز لإنتاجها. وبدأت الثورة الرقْمية، وخاصةً الذكاء الاصطناعي، في تغيير هذا التوزيع للأدوار تغييرًا جذريًّا. وأصبح حجم المعرفة خارج الجامعة أكبر وأسرع انتشارًا مما يدور داخلها. وهذا الوضع الجديد يُعيد فتح النقاش ليس فقط حول طرق التعليم، بل أيضًا حول الغاية الأساسيّة لوجود الجامعة. ويبدو أن القرار الأخير الصادر عن مجلس التعليم العالي التركي بهذا الشأن خُطوة بالغة الأهمية ومُناسبة، تُعد من أوائل الانعاكسات المؤسسية المُهمة لهذا النقاش في تركيا.
تتضمن اللوائح الجديدة تحولًا جوهريًّا في التفكير يُعيد صياغة حدود التعليم الجامعي؛ فالطلاب الآن سيتمكّنون من استكمال ما يصل إلى 10% من الشروط اللازمة للتخرج عبر مهارات يكتسبونها خارج الجامعة، كالمعارف والمهارات المُكتسبة في أكاديميات التكنولوجيا، ومراكز البحوث والتدريب، والبرامج التطبيقية، ومِنصات التعلم الرقمي، ضمن إطار المعايير الأكاديمية التي تُحدّدها الجامعات، وسيتم توثيق البرامج المُكتملة بنجاح بشهادات وعلامات رقْمية مُطابقة للمعايير الدولية، وستُدرج في كشوف الدرجات والشهادات.
وقد أجرت تركيا إصلاحات عديدة في مجال التعليم العالي، وناقشت مسألة استقلالية الجامعات ومركزيتها وزيادة عددها. وكان الافتراض السائد في كل هذه النقاشات هو أن الجامعة هي المكان الشرعي لإنتاج المعرفة وتدريسها. وقد تشكلت الجامعة الحديثة وَفقًا لاحتياجات المُجتمع الصناعي. وكانت المناهجُ الدراسية الموحدة، والشهادات القياسية، والقوى العاملة المدربة على مهن مُحددة، أساسَ هذا النموذج. فالطالب يلتحق بالجامعة، ويدرس بَرنامجًا محددًا أربع أو خمس سنوات ثم يتخرج، وغالبًا ما يستمر في حياته المهنية بنفس المعرفة. أما اليوم، فهناك دلائل كثيرة على اختلال التوازن تمامًا على أرض الواقع أو في ظروف السوق.
فالذكاء الاصطناعي اليوم لا يمكن اعتباره مجرد تقنية جديدة، فهو نقطة تحول تاريخيّة تُغير طريقة إنتاج المعرفة التي تتغيّر في العديد من المجالات بوتيرة أسرع بكثير من تحديث المناهج الدراسيّة. وفي بعض المجالات، يكون القطاع قد انتقل بالفعل إلى مرحلة مُختلفة تمامًا قبل أن تُقدِّم الجامعات أيَّ مقررات دراسية جديدة. ولم يعد إنتاج المعرفة حكرًا على الجامعات؛ فعدد كبير من أنجح مُطوّري البرمجيات وعلماء البيانات وخبراء الذكاء الاصطناعي في العالم يتلقون تدريبهم خارج نطاق التعليم الجامعي التقليدي. وأصبحت مِنصاتُ المصادر المفتوحة وشركاتُ التكنولوجيا ومختبراتُ الأبحاث وشبكاتُ التعلم الرقْمي أكثرَ مراكز إنتاج المعرفة حيويةً اليوم.
ولهذا فإن استعداد الجامعات للاعتراف بالمعارف والمهارات المؤهلة المُكتسبة خارج مؤسساتها، وَفق معايير أكاديمية مُحددة، لا يُعَدُّ نهاية سلطة الجامعة على المعرفة، بل هو إعادة تعريف لتلك السلطة بما يتوافق مع الظروف الجديدة.
وفي هذا السياق، من المُفيد النظر إلى التطوّرات في جميع أنحاء العالم في هذه المرحلة التي تتخذ دول عديدة خُطواتٍ شجاعةً للغاية في بناء نظام تعليمي لعصر الذكاء الاصطناعي، وتعمل على إعادة هيكلة جامعتها مع الاستثمارات الضخمة في أبحاث الذكاء الاصطناعي. ومُراجعة العديد من الأقسام التقليدية، لتجعل محو أمية الذكاء الاصطناعي كفاءة مُشتركة في جميع التخصصات؛ لتبدأ الجامعات في التعاون بشكل وثيق مع شركات التكنولوجيا ومراكز الأبحاث ومِنصات التعلم الرقمي؛ لأن الذكاء الاصطناعي لن يقتصرَ دوره على ابتكار تقنيات جديدة فحسب، بل سيوفر أيضًا مهنًا جديدةً، وأساليب تعليمية جديدة، ونماذج جامعية جديدة.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد لا يقضي تمامًا على العديد من المهن، لكن الحقيقة أنه سيُعيد تعريف معظم المهن. فكثير من المعلومات التي تُدرَّس في الجامعات اليوم بدأت تفقد صلاحيتها قبل تخرج الطلاب؛ لذا، فإن أهم مهارة في المستقبل لن تكونَ امتلاك معرفة مُحددة، بل القدرة على التعلم المُستمر. ولا يمكن للجامعة أن تكونَ بمنأى عن هذه التطورات، بل يجب أن تتحولَ من مؤسسة تُعلِّم الحفظ عن ظهر قلب إلى مؤسسة تُخرِّج أفرادًا قادرين على اختيار المعلومات والتحقق منها، وربط التخصصات المُختلفة، والتفكير النقدي، واستخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية.
وبالطبع، ينطوي هذا التحوّل أيضًا على مخاطر، فلا يمكن اعتبار كل شهادة رقمية أو دورة تدريبية عبر الإنترنت ذات قيمة أكاديمية. وسيتوقف نجاح هذا النظام على مدى قدرة الجامعات على ضمان الجودة. وسيبدأ النقاش الحقيقي بعد ذلك حول المعرفة التي تُعدُّ إنجازًا على مُستوى الجامعة، والمهارات التي يُمكن تحويلها إلى ساعات مُعتمدة أكاديميّة. وبالتالي ستُحدّد إجابات الجامعات على هذه الأسئلة مدى نجاحها.
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي