إنَّ هذهِ العبارة تختزل فلسفة المشاعر؛ فالبكاء الذي يقتحم هو طوفانٌ مفاجئ من المشاعر المكبوتة، يكسر كل حصون التماسك والكبرياء، وينفجر رغمًا عن إرادة الإنسان في لحظة الصدمة أو الذروة العاطفية. فالبكاء في لحظة الصدمة أو الذروة العاطفية ليس علامة ضعف، بل هو استجابة رائعة يطلقها دماغ الإنسان تُسمى ب«الطوفان العاطفي». ويعمل هذا الانفجار محفزًا طبيعيًا يعيد التوازن إلى جسم الإنسان، كما يساهم في التخلص من هرمونات التوتر والمواد الضارة التي لا تفتأ تتراكم في جسم الإنسان وتؤثر في عواطفه.
أما البكاء الذي يستأذن، فهو الذي يمنح الإنسان رفاهية الاختيار. وهذا النوع من البكاء يأتي تدريجيًا لتفريغ شحنة عاطفية عابرة، وليعبّر الشخص عن تأثر إنساني مألوف. وهذا النوع من البكاء يعيد للإنسان توازنه الداخلي، ولذرف الدموع فوائد كثيرة للعينين وللإنسان عمومًا، كما أنه وسيلة للتعبير عن التعاطف الإنساني أو التأثر بالمواقف العاطفية. فيذرف الإنسان الدموع استجابة لأي موقف عاطفي، حتى مع أشخاص لا يعرفهم، وذلك بفعل التعاطف البشري الفطري، الذي يُعد قدرة غريزية على مشاركة الآخرين مشاعرهم وتفهم حالتهم النفسية. وهذا هو الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات والروابط الإنسانية السليمة؛ فالإنسان يشعر بمشاعر الآخرين ويستجيب لها، ويُنظر إلى الاستجابة لمشاعر الآخرين والتفاعل معها على أنها إحدى الركائز الأساسية للذكاء العاطفي.
ومن الضروري لإتقان هذه المهارة الجمع بين الوعي الاجتماعي لفهم حالة الآخرين، وتقديم استجابة دقيقة وصادقة لدعمهم وتوطيد العلاقة معهم. وهذا يتطلب بناء أساس من الثقة والاستماع الفعّال، من خلال منح الشخص الآخر الانتباه الكامل دون مقاطعة أو استباق للأحداث، مع التركيز على مشاعره بدلًا من مجرد البحث عن حلول سريعة.
فالمستشار الذي يتسرع في تقديم الحلول يقفز إلى النتائج قبل استيعاب أساس المشكلة، وهذا ما نسميه، نحن علماء النفس، «سيكولوجية التسرع في تقديم النصائح». كما أن المستشار، بهذا السلوك، يُلغي دور المستشير، ويحرمه من فرصة ممارسة التفكير النقدي، وبذلك لا يستطيع المستشير أن يطور مهاراته في حل مشكلاته بنفسه مستقبلًا. لذا فإن تمكين المستشير وتزويده بمهارات حل المشكلات يُعد من أهم أهداف الإرشاد الناجح.
ولضمان تحقيق ذلك، يمكن استخدام استراتيجيات عملية وعلمية تساعد المستشير على الاعتماد على نفسه مستقبلًا. فالتدريب على مهارة التفكير النقدي يحث المستشير على طرح أسئلة تحليلية حول المشكلة، مثل: ما المشكلة الفعلية؟ وما الأسباب الجذرية لها؟ وما الأبعاد المختلفة للموقف؟
كما يكون من المفيد تعليم المستشير كيفية تقسيم المشكلات الكبيرة إلى خطوات صغيرة قابلة للحل، بما يجنبّه الشعور بالإحباط أو العجز.
ومن الاستراتيجيات الفاعلة أيضًا العصف الذهني للحلول، وذلك بتشجيع المستشير على كتابة أكبر عدد ممكن من الحلول البديلة للمشكلة، دون استبعاد أي حل أو تقييمه في البداية، مما يعزز مرونته الإدراكية.
وفي النهاية، يجب تعليم المستشير كيفية تحليل الإيجابيات والسلبيات، ومن المهم تدريبه على التفكير في نتائج كل خيار متاح، من حيث التكلفة والوقت والعواقب، واتخاذ القرار الأنسب بناءً على تحليله الخاص.