الاستِقامةُ الوضوحُ والقَصْد والإخلاص. فَمَنْ كانتْ غايتُه غيرَ واضحةٍ، وحياتُه تجري كيفما اتّفق، فلا بُدّ أنْ يضطرب. والّذي لا قَصْدَ في طِلْبته، ولا اعتدال في بُغيته - تشدّد أو فرّط - لا يصلُ. والذّي لا إخلاصَ في عمله، غايتُه الشُّهرة أو الإشارة أو الفَخار مالَ وحادَ ولعبتْ به الأهواء، ولا يَكونُ له من سعيه إلاّ التّعبَ والهَباء؛ وهذه صفة الصّراط؛ «اهدِنا الصّراطَ المُستقيم» . الواضح الّذي لا اعوِجاج فيه. ويتقابل مع (صِراط الجحيم) فإنّ تعاليم الله تقفُ على ناصية الصّراط الأوّل فتهدي، وتعاليمُ الشّيطان تقفُ على ناصية الثّاني فتُضِلّ، ومَنْ كان على هُدًى لا يستوي بحال مع مَنْ كان على ضَلال.
وثمرة الاستقامة خيرٌ وماءٌ غدَق: «وأَن لوِ اسْتقامُوا على الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم ماءً غَدَقًا» . وداعية الضّلالة والجموح عن الاستِقامة الجهلُ: «فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ».
شَرَطَ (سُقراطُ) للاستِقامة ثلاثًا، هي: الوعي (العلمُ بالغاية)، الاختيار الواعي (انتِقاء الصّالح لتحقيق المقصود)، والصدور عن طبيعة ثابتة (القُدرة على فِعْل الشّيء). وهي كما ترى ثلاثة أثافِيّ لا تُوقدَ النّار إلاّ فيهنّ، ولا يشتعل حطبُ العزيمة ليُضيء للسّارين إلاّ بينهنّ، فلو وضعْتَ فوقه أيّ قِدْر لأنضجَ ما فيه.
والاستِقامة ليستْ هوًى مُتّبًعا، ولا رأيًا مُطاعًا، وإنّها دون شَرْعٍ يضبطُ به الإنسانُ هَواه، ودينًا يدينُ به لخالِقه، لأتى من الأمور عجائب، ولابتدع من الأفكار غرائب، فإنّ عقل الإنسان ما اتّسع ضاق، وما ظنّ أنّه حكيمٌ قويّ ضَعُف، ما لم يكنْ له أمرٌ يَصْدُرُ عنه، ولذا قال تعالى لنبيّه الكريم: «وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ» .
وتحقيقُ الاستقامة له أوعيةٌ ثلاثة: العقل، والرُّوح، والشّهوة، والأوّل مُطهِّرٌ للثّاني، وحاكِمٌ على الثّالث. فلولا العقل الّذي يأمرُ به الإنسانُ نفسَه يسوقُها إلى الصّراط المُستقيم لابتأسَتْ رُوحُه، ولهامتْ على غير هُدى. ولولا هذا العقل الّذي يشكمُ الشّهوة، لأتى المرءُ من المُنكَرات ما تكون معه الشّهوة وحشًا يُنشبُ أظفاره في الرّوح.
والاستِقامة تجلبُ الطّمأنينة والسّكينة، وتبني ثقة الإنسان بخالقه وبنفسِه. ولو أيقنَ المرء باستقامة مَسعاه لَما أثّرتْ فيه مصائب الدُّنيا، ولا خُطُوب الدّهر مهما تعاظَمَتْ، لأنّها تهبُ صاحبها من السّكينة والقُوّة ما تقرّ به نفسُه ولو كانتِ الأهوال من حوله ترميه بسهامها من الجهات كُلّها.
ولو نما ساقُ الشّجرة غير مستقيمٍ لَما أثمر، ولو ضربَ الفارس برمحٍ غير مُستقيمٍ لَما أصاب، ولو سار في الحياة بقلبٍ غير مُستقيمٍ لَهَلك. وإنّ الشّمسَ إذا أرادَتْ أنْ تهبَ الحياة للأرضِ أرسلتْ أشعّتها مُستقيمة، وإنّ البدر لو أرادَ أنْ يهزمَ عتمة اللّيل، لألقى بأنواره على سُجفاته مستقيمة. وكانوا يُعلّموننا في المدرسة أنّ أقصرَ مسافةٍ بين نُقطتين هي الخطّ المُستقيم، فإذا كانت الاستقامة تُوصل إلى الغاية بأقصر الطّرق فِلَمَ يتنكّبُها النّاس؟.