شاهدتُ فيلمًا طويلًا عن نابليون بونابرت، أعجبني الفيلم، ومن عيوبه جعْلُه قصةَ حُبِّه لِزَوْجته جوزفين مِفتاحَ شخصيته ومركز رواية الحكاية، وتجاهل جرائمه في الحملة الفرنسيّة على مصر وجريمته في يافا حينما أعدم أربعة آلاف أسير بإطلاق النار أو بالإغراق في البحر، لكن المُميّز هو تصوير المعارك الباهر والصورة المُتقنة التي تجعلك تشعر بإحساس الحروب القديمة.
أتوقفُ عند طفولته، فقد كان نابليون ذا مِزاج صعب، فقد تعرَّض للتنمّر في المدرسة الحربية بسبب اسمه الغريب وأصوله التي تعود إلى جزيرة كورسيكا، ولعل السبب أنه شبَّ على لغته الإيطالية، وظل طَوال عمره ينطق الفرنسية بلهجة ضحكت عليها باريس طويلًا.
لقد اعتادَ نابليون في أوقات اللعب الانسحاب إلى المكتبة، حيث يقرأ كتب التاريخ والنظريات السياسية بشغف كبير، بينما يذهب رفاقه للعب مع الأصدقاء، وفضَّل نابليون الدرس على أي نوع من التسلية.
قرأ مؤلفات الكتّاب الكبار مثل أعمال مكيافيلي صاحب كتاب «الأمير»، وقرأ كتابات عن ديانة الأزتيك، وحكومة الهند، وروما القديمة واليونان والفارسيين، وكتبًا عن إنجلترا الحديثة، وقرأ مقالات عن «جمهورية» أفلاطون، وقرأ عن تاريخ العرب في عصر الخلفاء، ومن الكتب التي استحوذت على مخيلته كتاب «فن الحكم على الشخصية من الوجوه»، لعله كان يودّ تعلُّم الفِراسة.
لقد كان نابليون مُغرمًا بقراءة الوقائع والأرقام، ويُمعِن في مُطالعة كتب التاريخ والجغرافيا والرِحلات، ابتغاء معرفة الحال السياسية في العالم الذي يعيش فيه.
ونلاحظ في كراساته المدرسيّة كيف كان ماهرًا في عِلْم الحساب، ولم يكن نابليون قديرًا في حذق اللغات، كذلك لم تصادف الفلسفة هوى في نفسه، ولم تستهوِ أخلاقه، لأن عقله من الصنف الذي لا تؤثر فيه العلويات والمجرد.
كان نابليون يكتب بسرعة حتى وقت مُتأخر من الليل، فقد كان يقتبس المقاطع التي تثير اهتمامه ويُدوّن قائمة بالكلمات غير المألوفة لديه، كما كتب كثيرًا أوراقًا عن التعامل مع المِدفعية واستخداماتها، ولاحقًا استفاد من هذه الخبرة. قيل: «لولا المِدفعية ما كان نابليون». دخل فرع المِدفعية لأنه الفرع الوحيد من فنون الحرب الذى ترجح فيه كِفة الذكاء وحب العمل كِفة ضآلة الشكل والجسم.
أظهرَ نابليون من أيام طفولته ميلًا إلى الحياة الحربية، فكان وهو في طريقه إلى المدرسة الصغيرة يستبدل بخبزه الأبيض خبزًا أسمرَ خشنًا من جرايات المعسكر، قائلًا إنه يُروِّض نفسه على حياة الأجناد.
كان نابليون شديد الكبرياء والطموح، لكنَّ كبرياءه وهو طالب لم تمنع عنه شعوره بالتعاسة، بل شعر بميول إلى الانتحار في وحشة غرفته، وقد كتب عن ذلك: «كنت وحدي دائمًا، وفي غمرة الكآبة تتركز أفكاري على الموت.. أي غضب عظيم يجعلني أتمنى الهلاك الآن؟... لا أجد مكانًا لي في هذا العالم.. وبما أنني سأموت عاجلًا أو آجلًا، فلماذا لا أقتل نفسي؟». من الكتب الرائعة عنه كتاب إميل لودفيغ بترجمة الكبير عادل زعيتر.