الدوحة ـ الراية :
علَى مرّ العقود، مثل المهاجرون والملونون الدعامة الأساسية في نهضة الدول التي استقروا بها، واهبين إياها تفوقًا ملموسًا في شتى مناحي الحياة. ولا تقتصر مساهمة أبناء الهجرة، بمن فيهم ذوو الأصول الإفريقية، على المستطيل الأخضر والرياضة فحسب، بل تمتد جذورها عميقًا لتشمل مجالات الاقتصاد والعلوم والثقافة والخدمات العامة في دول الهجرة.
وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المهاجرين يسهمون بفعالية في سد الفجوات الحادة بسوق العمل، ويدفعون الضرائب، ويعززون الابتكار وريادة الأعمال في العديد من الاقتصادات المتقدمة، بينما تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن الهجرة أصبحت أحد المحركات المهمة والرئيسية للنمو الاقتصادي والديموغرافي في عدد من الدول الصناعية الكبرى.
ومع ذلك، فإن هذه المساهمات التنموية الجليلة لا تمنع ظهور موجات متكررة من الإنكار أو الخطاب العدائي الممنهج ضدهم، لا سيما في فترات الأزمات الحادة أو عقب الأحداث الرياضية والسياسية الكبرى، حيث يقابل هذا العطاء بنكران وجحود ينفجر كرهًا مقيتًا عند أول تعثر، وتتحول منصات التواصل الاجتماعي فورًا إلى ساحات إعدام معنوي مدفوعة بسيل جارف من الحسابات وهمية المصدر. وكشفت أحدث التقارير الإحصائية الرسمية الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حجم المأساة الفياضة بالعنصرية والعداء الرقمي عبر الفضاء الإلكتروني، حيث رصدت «خدمة حماية وسائل التواصل الاجتماعي» ما يربو على 89000 منشور ينضح بخطاب الكراهية والممارسات التمييزية خلال فترة انعقاد دور المجموعات لمونديال 2026 وحده، مبينة أن 11% من هذه المنشورات المرصودة كانت ذات طابع عنصري صارخ ومباشر.
البيانات والأرقام الصادرة في التقرير الرسمي تعكس قفزة مرعبة وغير مسبوقة في منسوب العدائية الرقمية المنفلتة، إذ تولت الخدمة المخصصة للمراقبة والإبلاغ والإشراف تحليل أكثر من 6 ملايين منشور وتعليق خلال ذات المرحلة، مسجلة زيادة حادة بنسبة 33% مقارنة بنسخة مونديال 2022 التي شهدت إطلاق هذه الآلية الحمائية. وأسفرت مراجعات الفيفا والتدابير الحمائية التلقائية لحسابات المنتخبات عن حجب 181000 تعليق بغيض، إلى جانب فتح تحقيقات موسعة وملاحقات رقمية ضد 1000 مستخدم، وهو ما يمثل طفرة قياسية وزيادة بمقدار 13 ضعفًا في الإجراءات التحقيقية مقارنة بالبطولة الماضية. ومع ذلك، أوضح الفيفا أن هذه القفزة في الأرقام ترتبط بنيويًا بتوسيع نظام البطولة الذي بات يضم 48 فريقًا في نسخة 2026 مقارنة بـ32 فريقًا في عام 2022.
الملونون بين أمجاد الإنجاز ومقصلة الفشل
تُجسدُ الأرقام المخيفة نمطًا متكررًا ومؤسفًا في التعاطي مع المهاجرين، فهم يعاملون كمواطنين كاملين وأبطال قوميين ترفع صورهم عند الفوز والابتهاج وتحقيق الأمجاد، لكنهم يتحولون سريعًا إلى أجانب وملونين تسلط عليهم سياط العنصرية والاتهامات بالخيانة عند أول إخفاق رياضي.
هذا التناقض الصارخ شهدته الملاعب المكسيكية في مدينة مونتيري مؤخرًا، عندما أقصى المنتخب المغربي نظيره الهولندي بركلات الترجيح بعد تعادل مثير بهدف لمثله، إذ تحول الغضب الجماهيري فورًا إلى حملة إساءات عنصرية وتمييزية شعواء عبر الإنترنت، استهدفت بدقة الثلاثي ذوي الأصول الملونة (جاستن كلويفرت، كوينتن تيمبير، كريسنسيو سومرفيل) لمجرد إهدارهم ركلات الترجيح. هذا الانفجار العنصري دفع الاتحاد الهولندي لكرة القدم إلى التحرك العاجل وعدم الاكتفاء بالتنديد الشفهي، حيث تقدم بشكوى رسمية إلى المدعي العام بغية ملاحقة المتورطين قضائيًا. وأكد الاتحاد الهولندي في بيانه أن التحرك يهدف لإرسال إشارة حازمة مفادها أن هناك حدودًا قانونية وأخلاقية صارمة، وأن عواقب وخيمة تنتظر كل من يتجاوزها، مشددًا على رغبته في قطع الطريق أمام هذا الجحود الرقمي الذي يستهدف حاملي قميص المنتخب.
خطاب الكراهية ينتشر في الفضاء الرقمي العربي
الموجَةُ التمييزية العالمية لا تقف عند الحدود الغربية بأرقامها المسجلة لدى الفيفا، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على الفضاء الرقمي العربي وبشكل متزايد. فبالتوازي مع الإحصائيات الدولية، تشهد المنصات الاجتماعية العربية سيلًا جارفًا ومقلقًا من خطابات الكراهية، والتنابز بالانتماءات العرقية، وإحياء المذهبيات المقيتة بمجرد حدوث أي تنافس رياضي أو سجال سياسي. والسمة الأكثر خطورة وتثير الانتباه في هذه الظاهرة محليًا وعربيًا، هي اعتماد كثير منها على حسابات مجهولة المصدر غير موثقة، وبأسماء مستعارة. وتدار هذه الحسابات الوهمية وظلال الظل كأدوات اصطناعية لتغذية الانقسامات المجتمعية، مستغلة في ذلك غياب أو ضعف آليات الرقابة الرقمية والمحاسبة القانونية الصارمة، حيث تعمد إلى بث سموم التمييز العنصري والفكري بين الجماهير، محولة المنافسات الرياضية التي يفترض بها جمع الشعوب إلى بيئات خصبة للاستقطاب الحاد، ورفض الآخر، ونكران الروابط المشتركة.
وإذا كانت FIFA قد أرست آلية خاصة بها فإن غياب إحصائيات دقيقة وأبحاث أكاديمية تخص المنطقة العربية تحديدًا تجعل من الصعب تكوين فكرة شاملة عن تداعيات موجات الكراهية لا سيما وأن السلطات في مختلف البلدان المعنية تتقاعس عن تفعيل أدوارها الرقابية لتطويق هذه الظاهرة.
صرخـة جـورج ويا تلـخص مـرارة الواقـع
فِي إطار سعي الفيفا لمواجهة الظاهرة عبر شراكات تكنولوجية كان أبرزها اللقاء النخبوي بالمركز الوطني للحقوق المدنية وحقوق الإنسان بالتعاون مع منصة «تيك توك»، جاءت صرخة الأسطورة الإفريقية الحائز على الكرة الذهبية، جورج ويا، لتلخص مرارة الواقع الرقمي والإنساني بقوله: «إذا نظرت إلى الوراء، فسأقول إن شيئًا لم يتغير.. عانيت من الإساءة العنصرية عندما كانت العنصرية في ذروتها، وما زلنا هنا نتحدث عنها اليوم».
وأضاف: كرة القدم ليست مجرد لعبة حظ، إنها لعبة وحدة، وإذا سمحنا لهذه الأمور بالمرور، فسيستمر تدمير اللعبة الجميلة، ويهتز معها تماسك المجتمع والتعايش الإنساني. الأرقام المرعبة والإجراءات الجنائية المئة (100 قضية) التي أعد الفيفا ملفاتها القانونية لإحالتها إلى الجهات المختصة خلال دور المجموعات لمونديال 2026، تدق ناقوسًا لخطر حقيقي.