بعد فيلم الإثارة المتميز «Searching» في عام 2018، يعود فريق العمل في عام 2023 بفيلم مشابه بعنوان «اختفاء» ، الذي اعتُمد أيضًا كالفيلم السابق على وسائل التواصل الحديثة في عرض قصته وأحداثه: جهاز الحاسوب والهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وكاميرات الأمن وغيرها.
تدور أحداث الفيلم حول فتاة تُدعى «جون» ، ووالدتها «غريس» التي تذهب لقضاء إجازة في كولومبيا مع أحد الأصدقاء، ثم تختفي فجأة بشكل مُريب، فتحاول «جون» معرفة ما حدث بالبحث عن والدتها وهي في المنزل باستخدام الحاسوب والهاتف ومواقع التواصل.
لا يكتفي الفيلم بتكرار تجربة الفيلم السابق، بل يطوّرها دراميًا وبصريًا، فالتقنية هنا ليست مجرّد وسيلة سرد، بل إنها جزءٌ من الصراع نفسه، والبحث الرقمي الذي تقوم به «جون» لا يقودها فقط إلى والدتها «غريس» ، بل إلى طبقات خفيّة من الأكاذيب، وذلك يجعلنا كمشاهدين في حالة توتّر دائم، لأن كل معلومة جديدة قد تنقض ما قبلها تمامًا.
الفيلمُ ينجح أيضًا في بناء شخصياته نفسيًا، وخاصّةً شخصية «جون»، التي تبدأ كفتاة عادية تعتمد على التكنولوجيا في حياتها اليومية، ثم تتحوّل تدريجيًا إلى مُحقّقة مضطرة للنضوج السريع تحت ضغط الخوف والفقد، وهذا التحوّل يُقدَّم بهدوء وذكاء، دون مبالغة عاطفية.
في المُقابل، تبقى شخصية «غريس» مُحاطة بالغموض، ومع كل اكتشاف جديد، يُعاد تشكيل صورتها في أذهان المشاهدين، ونظل نتساءل: هل نحن أمام ضحية، أم أمام شخصية أخفت الكثير عمّن حولها؟.
بلغت ميزانية الإنتاج حوالي 7 ملايين دولار فقط، وقد حقّق نجاحًا لافتًا، بإيرادات تزيد عن 48 مليون دولار في شباك التذاكر في أمريكا وبقية دول العالم.
قدّمت «ستورم ريد» أداءً متميزًا بشخصية «جون» ، وكذلك «نيا لونغ» بشخصية والدتها «غريس» ، والفيلم من إخراج «ويل ميريك» و «نيكولاس دي جونسون» ، كما قاما بكتابة النص السينمائي بالتعاون مع «أنيش شاغانتي» و «سيف أوهانيان» .
حافظ المخرجان على الإيقاع المشدود طوال مدة عرض الفيلم، رغم محدودية المكان واعتماد سرد أحداث القصة على الشاشات فقط، والتنقّل بين التطبيقات، ومكالمات الفيديو، ولقطات كاميرات المراقبة، يتم بسلاسة تجعلنا ننسى القيود الشكلية، وننغمس في الفيلم كليًا، ونكون في قلب التجربة، ونتحوّل من مشاهدين إلى شركاء في البحث، ونُشارِك «جون» شكوكها ونبني استنتاجاتنا مع كل نقرة ورسالة.
هذا الأسلوب لا يمنح الفيلم طابعًا عصريًا فحسب، بل يعكس واقعًا نعيشه اليوم، حيث أصبحت حياتنا، وعلاقاتنا، وحتى أسرارنا، محفوظة داخل شاشات مضيئة قابلة للاختراق في أيّة لحظة.