الدوحة – عبد المجيد حمدي:
أكد الدكتور محمد غالي، أستاذ الأخلاق الطبية والحيوية في الإسلام، ومدير مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق بجامعة حمد بن خليفة، والرئيس المشارك للتحالف العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، أن إطلاق دولة قطر للتحالف العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز التعاون الدولي في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ودعم تطوير أطر حوكمة مسؤولة لهذه التقنيات.
وقال في تصريحات خاصة لـالراية : تأتي هذه المبادرة في إطار رؤية دولة قطر الرامية إلى تعزيز حضورها الأكاديمي في الحوار العالمي حول الذكاء الاصطناعي، وإتاحة المجال أمام مُختلف الثقافات والمجتمعات للإسهام في صياغة الأطر الأخلاقية المنظمة لهذه التقنيات.
وأوضح أنَّ العالم يشهدُ اليوم حوارًا واسعًا حول الذكاء الاصطناعي، يتركز على كيفية تعظيم فوائده والحد من مخاطره، مشيرًا إلى أن جامعة حمد بن خليفة تسعى إلى أن يكون لها صوت أكاديمي فاعل ومؤثر في هذا الحوار الذي يشغل مُختلف دول العالم.
يُذكر أن دولة قطر أعلنت، أمس الأول في جنيف، إطلاق التحالف العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، في خطوة تستهدف تعزيز التعاون الدولي في هذا المجال، ودعم تطوير أطر حوكمة مسؤولة لهذه التقنيات.
وجرى الإعلانُ عن إطلاق التحالف في كلمة سعادة السيد محمد بن علي المناعي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، خلال جلسة رفيعة المستوى عُقدت ضمن أعمال الدورة الأولى من الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي «حوار الذكاء الاصطناعي» في جنيف، بعنوان: «تسخير فوائد الذكاء الاصطناعي للجميع من خلال نهج شامل وقابل للتشغيل البيني».
وأوضح د. غالي أنَّ المُبادرة تنسجم مع سياسة دولة قطر في بناء الجسور بين الثقافات والحضارات، مؤكدًا أن الحوار الدائر حاليًا حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تشكّل في معظمه داخل البيئة الغربية، مستندًا إلى مرجعيات علمانية ومنظومات قيم تعكس خصوصية المُجتمعات الغربية.
وأشار إلى أن التحالف يسعى إلى إتاحة الفرصة لدول ما يُعرف بـ«الجنوب العالمي»، بما في ذلك دول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، للإسهام في صياغة الخطاب الأخلاقي العالمي المُتعلق بالذكاء الاصطناعي، انطلاقًا من منظومة القيم والمبادئ التي تؤمن بها هذه المجتمعات.
وقال: «لا نسعى إلى إنشاء خطاب انعزالي أو معارض للغرب، وإنما نطمح إلى أن نكون شركاء في صياغة الحوار العالمي حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بحيث لا تنفرد جهة واحدة بوضع الأطر الأخلاقية التي ستؤثر في مستقبل البشرية».
وأضاف أن إطلاق التحالف جاء خلال أعمال الحوار العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي في مدينة جنيف، بدعم من وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والحكومة القطرية، معتبرًا أن تدشين التحالف في هذا المحفل الدولي يمثل خطوة مهمة لترسيخ الحضور القطري في النقاشات العالمية المُتعلقة بحوكمة الذكاء الاصطناعي.
وكشف الدكتور غالي عن تأسيس مجلس استشاري عالمي للتحالف يضم نخبة من أبرز الخبراء والمُتخصصين من مختلف قارات العالم، موضحًا أن المجلس يضمُ ممثلين من الصين، وسنغافورة، وأستراليا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المُتحدة، بما يضمن تمثيلًا واسعًا لمختلف الرؤى والخبرات الدولية.
وأكد أن التحالف بدأ بالفعل في بناء شراكات استراتيجية مع عدد من الجهات الأممية والدولية، موضحًا أن أولى خطوات هذا التعاون تمثلت في تنظيم جلسة حوارية رفيعة المستوى بدعم من مكتب مبعوث الأمين العام للأمم المُتحدة المعني بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أنَّ التحالف يجري كذلك مشاورات مع عدد من المنظمات الدولية، من بينها منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، إلى جانب مباحثات مُرتقبة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فضلًا عن مؤسسات دولية أخرى معنية بحوكمة الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أنَّ التحالف لا يمتلك أي سلطة قانونية لإلزام الدول أو الشركات بتطبيق توصياته، مبينًا أن سلطة الإلزام تقتصر على التشريعات الوطنية في كل دولة، وأن أي التزام لا يصبح نافذًا إلا إذا تبنته الدولة ضمن قوانينها، أو التزمت به من خلال الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تنضم إليها، مثل مواثيق الأمم المتحدة وغيرها، ثم تُدرجه ضمن منظومتها القانونية.
وأكد أنَّ الهدف الأساسي للتحالف يتمثل في بناء موقف دولي وأخلاقي موحد تُجاه القضايا المُرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما يُسهم في توجيه سياسات الدول وصناع القرار. ولفت إلى أن توافق مختلف المكونات الدينية والثقافية والجغرافية على اعتبار قضية معينة تمثل ضررًا أخلاقيًا، يجعل من الصعب على الدول تبرير تبنّي مواقف مخالفة أمام شعوبها.
إبراهيم فخرو: صمام أمان لضمان الاستخدام المسؤول للتقنيات
قال خبير التكنولوجيا إبراهيم فخرو إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية حديثة، بل أصبح يمثل مستقبلًا للعالم، الأمر الذي يجعل إطلاق التحالف العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي خطوة ضرورية في هذا التوقيت، لأنها تضع ما يشبه «صمامات الأمان» لضمان الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، وتجنب التخلف عن مواكبة التطورات المُتسارعة في هذا المجال.
وأوضح أن وجود إطار عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي يسهم في وضع قوانين ومعايير موحدة تنطبق على الجميع، سواء كانت دولًا أو شركات كبرى أو مطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن استخدام هذه التقنيات بصورة آمنة ومسؤولة، ويعزز المساءلة والالتزام بالضوابط الأخلاقية.
وأشار إلى أن أهمية هذه الحوكمة تنبع من اتساع مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي، والتي تمتد إلى العديد من القطاعات الحساسة، بما في ذلك المجالات ذات التأثير الكبير على أمن المجتمعات والبشرية، مؤكدًا أن وجود قواعد واضحة يحدد ما وصفه بـالخطوط الحمراء لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويحمي الإنسان من أي استخدامات قد تخرج عن الإطار الأخلاقي.
د. محمد سعد: تطـــويــر تقنـيــات تحـــتــرم قـــــيـــم المجــــتــــمـــعــات
أكد الدكتور محمد سعد، الباحث الرئيسي في معهد قطر لعلوم الحوسبة بجامعة حمد بن خليفة، أن إطلاق التحالف العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل التطور المتسارع الذي يشهده هذا المجال، مشيرًا إلى أن دولة قطر تعد من الدول الرائدة إقليميًا في الاستثمار في أبحاث الذكاء الاصطناعي وتطوير تطبيقاته.
وقال: إن جامعة حمد بن خليفة، ومن خلال معهد قطر لعلوم الحوسبة، تعمل على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي مُتقدمة، ومن بينها نموذج فنار، الذي يركز بصورة خاصة على اللغة العربية، ويراعي الخصوصية الثقافية والقيم العربية والإسلامية، وهو ما يميزه عن كثير من النماذج العالمية التي لا تعطي هذه الجوانب الاهتمام الكافي.
وأوضح أن أحد أبرز أهداف التحالف يتمثل في ترسيخ مفهوم الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، لافتًا إلى أن التطور التقني لا ينبغي أن ينفصل عن الاعتبارات الأخلاقية والثقافية، خاصة مع اتساع الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مُختلف جوانب الحياة اليومية.
وأضاف أنَّ المستخدم عندما يلجأ إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات أو لاتخاذ قرارات مُعينة، يجب أن يكون واثقًا من أن الإجابات التي يتلقاها دقيقة، وتحترم القيم الأخلاقية والعادات والتقاليد، ولا تتضمن محتوى قد يضر بالأفراد أو المجتمع.
نايف الإبراهيم: أطر أخلاقية وحوكمة رشيدة للذكاء الاصطناعي
قال المهندس نايف الإبراهيم، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ابتكار، إن إطلاق التحالف العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي يمثل محطة مهمة في مسار بناء مستقبل أكثر مسؤولية واستدامة لهذه التقنيات، ويعكسُ رؤية دولة قطر والتزامها بالمُساهمة الفاعلة في صياغة الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أنه في ظل التحولات المُتسارعة التي يشهدها العالم، أصبحت الحاجة إلى أطر أخلاقية واضحة وحوكمة رشيدة للذكاء الاصطناعي ضرورة استراتيجية لضمان توظيف هذه التقنيات بما يعزز التنمية، ويرسخ الثقة، ويحقق قيمة حقيقية للمجتمعات والاقتصادات.
وأكدَ أن بناء منظومة ذكاء اصطناعي مسؤولة لا يعتمد فقط على تطوير التقنيات، بل يتطلب تكامل الجهود بين صناع القرار، والمؤسسات البحثية والقطاع الخاص والمجتمع، لضمان أن يكون الابتكار موجهًا نحو تحقيق أثر إيجابي ومستدام.
وأشار إلى أنه من هذا المُنطلق، يمثل التحالف العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي منصة مهمة لتعزيز التعاون الدولي، وتبادل المعرفة والخبرات، وتطوير ممارسات وأطر حوكمة تدعم الاستخدام المسؤول والفعال لهذه التقنيات.